لم تكن تلك زيارتنا الأولى لحتا فمعظم الزملاء زاروا المدينة مرات عدة وأمضوا فيها نهارات جميلة، لكنها المرة الأولى التي نقيم بها بين جبال حجر يومين كاملين استضافتنا فيهما جمعية حتا للثقافة والفنون الشعبية نظمت خلالهما برنامجا حافلا عرفنا بالمدينة وتراثها القديم وعادات أهلها، فضلا عن التجول بين وديانها وجبالها وحدائقها، فكانت تجربة ثرية حملها منها الكثير من الصور والذكريات الجميلة.

حتى وصلنا إلى مشارف حتا حيث كان رئيس الجمعية بخيت محمد المقبالي وأمين السر العام سعيد الشريف بانتظارنا لنحظى باستقبال بالغ الحفاوة، أشعرنا بالألفة مع تلك المنطقة الهادئة الجميلة، خاصة أن مقر إقامتنا كان منتجعا جبليا يطل على مناظر الجبال الساحرة.

بدأ برنامج جولتنا بعد ساعة من وصولنا إلى المنتجع بزيارة مسائية لحديقة التلة التي تعد استغلالا جميلا للطبيعة فقد كانت الحديقة في الماضي جبلا يتوسط المنطقة، وقد تحدث مراقب الحديقة راشد مرزوق عنها قائلا (حديقة التلة من الحدائق الجديدة في المنطقة إذ لا يتجاوز عمرها السنتين)،

ويعتمد جمالها على تصميم السلالم الدائرية التي توصل الزوار إلى قمة الجبل حيث بنيت في الأعلى قلعة تماثل قلاع المنطقة القديمة، وتتوفر في أنحاء الحديقة وارتفاعاتها المختلفة أماكن مسقوفة تمثل استراحات يمكن للزوار تناول الطعام فيها وفيها أمكان مخصصة للمشي، وقد بدأت الحديقة باجتذاب الزوار لإطلالتها على معظم مناطق حتا ووديانها.

المرحلة الثانية من رحلتنا كانت أمسية تراثية متميزة في مقر جمعية حتا للثقافة والفنون الشعبية حيث وجدنا أنفسنا نعود إلى الأيام الخوالي التي كانت تعبق برائحة التراث واستقبال الأمهات المحب وكرم العربي الذي يحاول تقديم كل ما يمكن لضيفه، وكانت جلسة تراثية حقيقية أعدت لنا يستقبلنا فيها عدد من مسؤولي الجمعية وأعضائها ومنهم بخيت المقبالي رئيس الجمعية وسعيد الشريف أمين السر العام،

وعبد الله مبارك القايدي أمين الصندوق وسلطان بخيت الكعبي المدير التنفيذي وسيف سالم القايدي منسق الفعاليات والأنشطة وأحمد سالم طارش عضو الجمعية وعدد من الشعراء والمهتمين بالتراث من أبناء حتا. في أحد جوانب المكان جلست مجموعة من السيدات كبيرات السن لإعداد خبز الرقاق واللقيمات بينما كانت سيدة أخرى تنسج خيوط التلي بصبر وأناة، بينما وقف رجل بزيه الجبلي القديم حاملا سلاحا ليشكل الجميع مشهدا بصريا تراثيا لا يمكن أن تغفله العين،

وكان حديث الأمهات أنيسا لطيفا فهن يروين ذكريات الماضي بعذوبة بالغة ترافقها رائحة الخبز التي تجعلنا جميع نحن إلى خبز أمهاتنا، فكان حديث أم راشد عيدة سالم حماد المقبالي عن المرأة أيام زمان فتقول (كانت المرأة في الماضي مكتفية بنفسها تلبي حاجات بيتها وعائلتها فكانت تجلب الحطب وترعى الحلال وتطحن الحب وتخبز وتطبخ وتخيط ملابسها وملابس زوجها وأبنائها، ولم تكن متطلبة فيكفيها ثوب أو اثنان، فقد كانت الحياة بسيطة والقناعة متوفرة عند الناس).

أما أم خالد مريم حمد حسين فكانت تخبز الرقاق مخلوطة بالبيض أو الجبن أو السمن وهي تتحدث عن أطعمة أيام زمان قائلة: (كان الطعام في ذلك الزمان طازجا فلم نعرف المعلبات أو الثلاجات وغيرها، وكان ذلك أفضل للصحة، فكنا نطبخ البرياني وصالونة اللحم أو السمك أو الدجاج،

وكذلك نطحن حب الدخن وحب الذرة ونصنع منه خبزا، ونصنع من الدخن مقطوعة، كما نطبخ العرسية والقاشع وغيرها من الأطعمة المتوفرة في ذلك الوقت). في الجانب الآخر كان المجلس عامرا بشعراء أطربوا السامعين بقصائدهم فكانت أمسية حافلة بالشعر والتراث وكرم الضيافة.

كان جدول عملنا في اليوم التالي زيارة الوديان والجبال، وكانت زيارة مزرعة الديناصور التي يمتلكها العقيد التقاعد علي السيد مدير إدارة الدفاع المدني بدبي سابقا، وهي مكان قلما يتكرر إذ اعتنى صاحبها بتنسيقها وتوفير مزايا خاصة بها بدءا من مجسم الديناصور الضخم ومرورا بالقرية التراثية المصغرة التي تحتوي مجسمات صغيرة لمعظم مباني الدولة القديم صنعت من الحجر واحتلت حيزا خاصا في المزرعة فضلا عن المقتنيات التراثية والمناظر الجمالية المختلفة في المزرعة.

كان منظر الوديان وهي تعج بالحياة وتستقبل السائحين من كل مكان يدعو للبهجة ولقضاء وقت جميل بين أحضان الطبيعة، ومثلما لكل شيء أن ينقضي انتهت زيارتنا للوديان لنعود إلى مقر جمعية حتا للثقافة والفنون تنتظرنا وليمة غذاء فخمة، فقد قدمت الذبائح على الطريقة العربية وكان لابد من كسر رؤوسها للتعبير عن رضانا عن تلك الوليمة.

حتا ـ دلال جويد