في بداية مارس الماضي عقدت «وحدة الدراسات» في جريدة «البيان» ندوة حول الثقافة في الإمارات بشكل عام وقد ارتأينا استكمال الواقع الثقافي بتخصيص هذه الندوة للتعرف على الحركة الفنية بجميع فروعها من مسرح وتمثيل وسينما وفنون تشكيلية وموسيقى وغناء وتراث وفنون شعبية وتصوير وغير ذلك.
لقد مارس أبناء الإمارات مختلف أنواع الفنون حتى قبل قيام دولة الاتحاد في الثاني من ديسمبر 1971 وان كان الأمر يتسم بالعفوية والفردية ولكن بعد هذا التاريخ وبما وفرته الدولة من مؤسسات ومعاهد علمية وتشجيع للحركة الفنية بتقديم الدعم المادي لها ورعاية الموهوبين وتحفيزهم بتقديم الجوائز للمبدعين فقد تغير الوضع كثيراً بما يمكن أن نصفه نقلة نوعية ومنهجية.
وما نشهده اليوم وبفضل القيادة الشابة التي تسلمت زمام الأمور في الدولة بعد رحيل المؤسسين باستئناف ما بدأه الرعيل الأول مستفيدين من التقدم التقني الذي يشهده العالم ومتسلحين برؤية ثاقبة للمستقبل جعل مختلف مدن الدولة قبلة للمبدعين والموهوبين من كل حدب وصوب لعرض أعمالهم الفنية ما دفع «اليونيسكو» لاختيار بعض مدنها كعواصم للثقافة العربية لعدة أعوام مختلفة.
ونحن إذ نتذكر بدايات الحركة الفنية في الإمارات ونستعرض واقعها الحالي فإننا نأمل التعرض لها بالنقد والتحليل بأسلوب علمي لنعرف مواطن القوة والضعف التي اعترضت مسيرتها مقارنة بما وصلت إليه في الدول العربية الخليجية المجاورة بشكل خاص وبالواقع العربي والعالمي عامة على ضوء ما حققته تجارب هذه الدول وما أنجزته من أعمال مشهود لها.
ولهذا الهدف نستضيف نخبة من المثقفين والفنانين المبدعين والأكاديميين في ندوة حول«الفنون في الإمارات. ...الواقع وآفاق المستقبل» عبر المحاور التالية: *المحور الأول: الحركة الفنية في الإمارات بين الماضي والحاضر. *المحور الثاني: دور الهيئات والمؤسسات الرسمية والشعبية في دعم وتنشيط الفنون في الإمارات. *المحور الثالث: نظرة مستقبلية لواقع الحركة الفنية في إطار الظروف المحلية والخارجية.
وكنا نشرنا أمس الحلقة الأولى من الندوة وفيما يلي وقائع المحور الثاني من الندوة وما دار فيها من مناقشات ساخنة.
* د. محمد المطوع: ننتقل إذن بعد تشخيص واقع الحركة الفنية ماضياً وحاضراً للحديث عن الخلل والمشاكل التي تواجهه، فيبدو إننا نتفق على وجود هذه المشاكل خصوصا وان المؤسسات الحكومية والمحلية وحتى على صعيد المجتمع المدني موجودة ولكن، أين يكمن الخلل؟فهل الخلل موجود في القائمين على هذه المؤسسات؟ أم في الدعوة ؟أم أن هذه المؤسسات لم تقم بدورها؟
* د.حبيب غلوم: صحيح أن عمر الاتحاد والمؤسسات تزيد على 35 عاما ولكن الصحيح إننا بدأنا من حيث انتهى الآخرون. كما إننا بدأنا منذ 35 سنة بالعمل على أرضية صلبة موجودة من معارف ومعلومات ومنهجية جيدة مستفيدين من تجارب الدول الأخرى، ولنكن منصفين فمن صنعوا البدايات والطفرة لم يكونوا فقط أبناء الإمارات لوحدهم وإنما كل من سبقنا في هذا المضمار بالإضافة للمتواجدين على ارض الدولة.
ولكن الخلل مرده إلى عدم وضع المنهجية وعدم الاهتمام بوضع منهج علمي لكل المؤسسات الموجودة في الدولة. * د. محمد المطوع: الا تعتقد أستاذ إبراهيم انه من عام 1980 -2000 عندما لم تقم المدارس بدورها وحرمت الموسيقى والمسرح وقتل أي توجه فني في البلد نتيجة تيار سياسي معين كلنا نعرفه - هو تيار (الإخوان المسلمين) - ولم يتخرج عندنا جيل جديد؟
* ابراهيم جمعة: القضية ليست مرتبطة بوجود أو سيطرة تيار معين وإنما في تغيير كل وزير جديد لسياسة الوزارة التي يستلمها وهذه مشكلة تخلق التناقض في فكر الطالب بالحديث عن حرمة الموسيقى - وأتكلم هنا عن مجال اختصاصي - وهذا كله ساهم في عدم التذوق الفني والموسيقي. ونحن نعلم أن وزارتي الإعلام والتربية هما عاملان مساعدان في رقي وتذوق وتطور الأغنية الإماراتية أو أي أغنية في الوطن العربي.
والمشكلة ليست محصورة في الإمارات فقط وإنما تشمل الوطن العربي أيضاً حيث أصبحت الأغنية على عاتق القطاع الخاص والذي لا يهمه الكيف وإنما الكم لأن صاحب المؤسسة لا يفهم في الفن ويفكر في مصلحته المادية فقط ولا يستطيع النقاش في الأمور الفنية. وكنا في الثمانينات عندما نبدأ بعمل لحن نهتم بما يفكربه الناس لكن اليوم أصبح الفنانون المتوفون احياء والأحياء متوفين، فانا شخصيا ما زلت اسمع لعبد الحليم حافظ وغيره من جيل العمالقة ولا استمع للمطربين الحاليين وألحانهم التي لا أريد أن أتحدث عنها الآن اولا.
ثانيا: بالنسبة للعمر الزمني للدولة، فالكويت استقلت عام 1961 وبعد أربع سنوات فقط اسست معهدا للموسيقى وكذلك الأمر في قطر كما لدى عمان اوركسترا رائعة، وانا اقول هذا الكلام وكلي فخر بدولة الإمارات التي اعتز بالانتماء إليها وبما انجزته وبكل المؤسسات الناجحة لدينا. ولكننا نريد الإنسان المناسب في المكان المناسب فقط سواء في المؤسسات الثقافية أو غيرها فهو الأقدر والأجدر بتحمل أعباء ومهام ومتطلبات عمله.
* إسماعيل حيدر: تعقيبا على كلام الأستاذ إبراهيم حول دور وزارة التربية والتعليم في دعم الموسيقى والبرامج الفنية والغناء وعتبه عليها في إلغاء مادة الموسيقى من منهاجها وبرامجها الرسمية واعتبار ذلك سبباً رئيسياً في عدم اخذ الأغنية الإماراتية في المجتمع الإماراتي ،فانا اعتقد أن هناك دورا أيضاً للفنانين في دولة الإمارات فخلال 35 سنة من قيام الاتحاد، هل بادر الفنانون إلى التجمع والالتقاء لبحث هذه المشاكل والقضايا التي تهمهم وتعزز المادة الثقافية والفنية في المجتمع الإماراتي؟
وهل بادروا ببحث هذه الأمور وإقامة تجمع لهم لعرض مطالبهم المحددة على المسؤولين في الدولة وتنظيم أنفسهم في إطار يستطيعون من خلاله أولاً ضمان حقوقهم وتحقيق الإمكانيات التي يريدونها مثل عودة مادة الموسيقى لمنهاج التربية وتدريسها ثانية رسميا في مدارس الدولة الحكومية والخاصة حتى يتم تثقيف الطلبة منذ المرحلة التمهيدية ثقافة موسيقية جيدة وليس كما نراه اليوم من موسيقى وأغان هابطة كما يسمعها شباب اليوم ومراهقوه.
* ابراهيم جمعة: للأسف الشديد فان ما نسمعه اليوم هو موسيقى غربية، فالآلات الغربية موجودة في وزارة التربية والتعليم لكن طالباتنا ومن خلال زيارتي لبعض المدارس ومساهماتي في بعض الأنشطة المدرسية وجدت أن الآلات الموسيقية في اغلبها آلات غربية، ونحن نريد معهدا للموسيقى.
* حيدر محمد: اتفق كليا مع ما ذكره الأستاذ إبراهيم ولكنك تتحدث عن فترة المبادرات الفردية أما الآن فإننا نعيش في عصر وجود المؤسسات فلماذا تطور العالم ونحن متخلفون في كل شيء؟ والى الآن فالأكاديميات غير موجودة وإذا وجدت فانه يتسلمها أناس لا يفهمون في هذه المجالات ولهذا تحدث الكثير من الصدامات في هذه الأيام، والحل يكمن في التخصص فهو الذي ينهي هذه المشاكل ويدفعنا للتقدم والتطور.
* ابراهيم جمعة: نحن الآن كملحنين علينا الانتساب لمسؤول إذا أردنا النجاح وإلا فالفشل مصيرنا- وهذا رمز أو لغز علينا فكه - وذلك حتى يصرف علينا فلا مؤسسة وطنية عندنا تتبنى أساساً ثقافة الأغنية الوطنية المحلية فنحن لاجئون إلى مؤسسات عربية خارج دولتنا تبنت فناني الإمارات كلهم -كثر الله خيرهم-.
* د.حبيب غلوم: قبل أن نتكلم عما يجب أن يكون علينا أن نتكلم عما هو كائن فعليا، فموضوع وزارة التربية التي ناقشناها أتصور أن للتيار الذي تحدث عنه الدكتور المطوع كان له تأثير كبير جدا وأنا شخصيا عاصرته وعايشته في الثمانينات والى منتصف التسعينات وهذا واقع، لكن المشكلة الأخرى انه ليس كل وزير يمكن أن يأتي إلى أي وزارة ويؤثر فيها وأنا اعتقد أن السياسة العامة للدولة لا يقررها تيار أو وزير بنفسه فهناك سياسة يجب أن تتم مناقشتها على أعلى مستويات وخاصة في مجال السياسة التربوية
*. د.محمد المطوع: لم يكن لدينا في دولة الإمارات أي خطة تنموية خمسية أو عشرية. وقد اختلف الوضع اليوم حيث أصبح لدينا تصور لخطة استراتيجية اتحادية.
* د.حبيب غلوم: اشك في وضع الثقافة ضمن الخطة الاستراتيجية المقترحة. وإذا وجدت هناك خطة استرتيجية فستكون لبعض المؤسسات وسوف نطيل في قضية التعليم تحديدا فالتعليم شيء والتربية شيء آخر فالمواد التي حذفت أو اقتصرت على سنوات المراحل الأولى فقط حتى الصف الثالث فهنا كمدارس خاصة وأخرى حكومية موجودة لديها مشاكل كثيرة في هذا المجال.
* د.محمد المطوع: دعني اطرح عليك سؤالا د. حبيب، فها انتم كمسرحيين عقدتم مؤتمرا لكل الجمعيات المسرحية الموجودة في الدولة وقدمتم فيها رؤيتكم ومطالبكم؟
* د. حبيب غلوم: نعم قدمنا كثيرا، ولكن دعوني أقول شيئا وهو أن هناك تجمعات كثيرة تحصل على مستوى الدولة لمناقشة قضايا الثقافة بشكل غير طبيعي وتطرح خلالها الحلول لكن ما يجب يكون هو أن تفعل هذه التوصيات وهذه كارثة أخرى تكمن في التنفيذ من عدمه، فالأساس هو التنفيذ وكما قال الأستاذ إبراهيم قبل قليل انهم اقترحوا في مصر توصيات كثيرة ومهولة ولكن لم يؤخذ بها. وقد عقدنا كمسرحيين على مستوى وزارة الثقافة ودوائر الثقافة وفي الجمعيات المسرحية الكثير من هذه الاجتماعات والمؤتمرات ولكنها ما زالت في الادراج.
هناك قضية يجب أن تفهم في وزارة التربية ففي الوقت الذي كان فيه أولياء الأمور يمنعون بناتهم من الذهاب إلى المدرسة إلى التعليم سابقا استطاعت هذه المواد البسيطة من رسم وموسيقى بإقناع أولياء الأمور وخلال فترة قليلة بدخول الفتاة إلى مجال الموسيقى والغناء.
وهذه قضية مهمة وهي التي أشار إليها الأستاذ إبراهيم بشان الاستثمار في مجال بناء الإنسان وهذا الأمر للأسف غير مراعى في وزارة التعليم كما اسميها ولا في المؤسسات الثقافية الأخرى، وإذا تكلمنا عن السياسة الخمسية أو العشرية أو العشرينية فاننا نتكلم عن الدخل «incomec قبل أي شيء آخر وهذه كارثة من الكوارث.
فالاهتمام الآن وحتى على مستوى الصحة أصبح بالبحث عن المدخول ويراعى المدير الناجح الذي يعرف إدارة مؤسسته بطريقة تعود عليه بالدخل. وهذا يبعدنا عن استثمار الإنسان في مجال ثقافة ومجتمع الإمارات وهذه تعتبر كارثة.
* ابراهيم جمعة: لقد تم تكريم عيد الفرج وإبراهيم جمعة من قبل جامعة الدول العربية كرواد عرب في التلحين والغناء. فلماذا لا يكرم هؤلاء الرواد عندنا بينما يلاحق لاعبو كرة القدم وغيرهم ويلقون كل تكريم واحترام؟
* د. محمد المطوع: لنكن موضوعيين أيضاً فنحن عندما دعونا لهذه الندوة استعد أكثر من 12 شخصا للمشاركة ولكن للأسف لم يحضر إلا ثلاثة أشخاص مع اننا أرسلنا لهم محاور الندوة والقضية تهمهم.
* د.حبيب فلوم: المشكلة أن الدولة لا تفرق بين المتعلم وغير المتعلم في مجالات الثقافة والفنون، فبالتالي نحن نشجع غير المتعلم وغير المتهم لأنه يتساوى في النهاية مع المهتم والباحث في مجاله. ونحن نريد منهجاً حقيقياً لتقييم الفنان المبدع من غيره.
* حيدر محمد: هناك مشكلة في الاعتراف بالفنان المحلي وغيره من خارج الدولة «المستورد» فانا كرسام كاريكاتور بقي مكتوبا في بطاقتي العملية كمنفذ وليس رسام كاريكاتور ولم احصل على هذا الاعتراف إلا العام الماضي. والقضية الأخرى أن الجانب المادي والمعنوي مهم جدا لتطوير وتحسين العمل ولنكن واقعيين فمن يقول لك انه يعمل لمجرد الناحية المعنوية فهو غير صادق فالجانب المادي مهم جدا وهذه طبيعة الحياة.
ولنسال سؤالاً مهماً فأين هو الفنان الذي يعمل من اجل الفن؟ فليس هناك فن للفن اليوم وهذا هو رأيي الشخصي ولا اقصد فناني الزمن السابق. ولأكون أكثر إنصافاً فان غالبية الفنانين اليوم لا يعملون من اجل الفن للفن. والعلاقات الخاصة تلعب دورا هاما في مجال الفن خاصة والمجالات الأخرى عامة.
* ابراهيم جمعة: كلام الأستاذ حيدر صحيح والدليل اننا كنا عندما بدأنا كلنا نشاطاً وحيوية ولكن هناك من لا يزال يعمل من اجل الفن للفن ولكنهم قلة.
* حسين قطايا: ما أريد الحديث عنه هو انه يبدو من كلامكم أن هناك غيابا للمؤسسات الأكاديمية التي تدرس المناهج. ولكن كملاحظة فان دولة كالكيان «الإسرائيلي» كانت أول وحدة متكاملة نشأت في الجيش هي وحدة رقم واحد وكانت للإنتاج الفني وتختص بإنتاج الموسيقى والمسرح والسينما وقد أنتجت خلال عشر سنوات مثلا 400 أغنية داخل «اسرائيل» وخارجها ولدعم مشروع دولة إسرائيل أنتجت أيضاً 100 فيلم.
وفي فرنسا فان 14% من الموازنة العامة للدولة مخصص للثقافة والفنون. لذلك فان الدولة عند قيامها عليها أن تلحظ ليس فقط البناء الاقتصادي عموديا فقط فالبناء هو عمودي وافقي أي اقتصادي مادي وسياسي وثقافي. فلا يمكن لأي بناء اقتصادي أن يتم دون البناء في المجال الثقافي ويجب أن يتصاحبا ويتلازما ويتطورا معا. وخاصة في كل مجالات الفنون.
المشاركون في الندوة
إبراهيم جمعة: ملحن ومؤلف أغان / عضو المجلس الثقافي في دبي، د. حبيب غلوم: مخرج وممثل مسرحي / مدير المراكز الثقافية في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، حيدر محمد: رسام كاريكاتير / جريدة الإمارات اليوم، حسين قطايا: ناقد ومخرج سينمائي لبناني، اسماعيل حيدر ناقد فني /سكرتير تحرير قسم المنوعات في جريدة « البيان»
أدار الندوة: د.محمد عبد الله المطوع
الإعداد والتحرير: موسى أبو عيد
