وصف القزويني في (عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات) التمساحَ بأنه ] .. من أعجب حيوان الماء. له فمٌ واسعٌ. وستون ناباً في فكه الأعلى وأربعون ناباً في فكه الأسفل.وبين كل نابين سن صغير مربع يدخل بعضه في بعض عند الانطباق. ظهره كظهر السلحفاة ولا يعمل الحديد فيه وله أربع أرجل وذَنبٌ طويل.لا يقدر أن يلتوي ولا أن ينقبض لأنه ليس لظهره خرزات، بل ظهره قطعة واحدة..
يلتقم الآدمي والشاة ويقتل الخيل والجمال..يبيض كالطيور، وزبْلُهُ يخرج من فيه إذ لا منفذ له، وإذا أكل يبقى في خلل أسنانه شيء يتولد منه الدود فيخرج من الماء ويفتح فاه.. فيأتيه طائرٌ ويدخل فاه ويلتقط ما في خلل أسنانه، فإذا رأى صياداً رفرف وصاح وأخبر التمساح..وإذا أحس التمساح أنه نقى أسنانه أطبق فاه على الطائر ليأكله وقد خلق الله تعالى على رأس ذلك الطائر عظماً أحدُّ من الإبرة يضرب به حنك التمساح.. فيطير الطائر.
غدر التمساح هو أفضل وصف لهذا النص التعريفي المشوّق الذي نسجه القزويني بحق هذا الكائن المفترس، ويعطينا الوصف المثالي هذا جملة من المعطيات حريٌّ أن نقف عندها، فهي درسٌ ومثالٌ وحكمة إلهية وربما هي لغزٌ يفيدنا نحن البشر الغارقون في الأوهام والأحلام وكوابيس الوصولية والطعن العبثي لبعضنا، فأصبح كثيرٌ منا شبيهاً بهذا الوحش البرمائي العدواني.المعطى الأول: ينص التعريف على (وحشية) التمساح عبر وصفه لفكيه وأنيابه وامتداد جسده الذي لا يعمل به الحديد وهو كثير العدوان، كريه المنظر، لا يؤتمن جانبه.
المعطى الثاني: كل هذه الفخامة التي يمتلكها التمساح وكل هذه الهيبة المفترسة وهذه المقدمات (المخيفة) فإن التمساح يبيض كالدجاجة!! ولا يلد كباقي اللبائن، وأعتقد أن الحكمة هنا تقتضي كسر هيبته بمفارقة ظريفة وغريبة، وربما أرادت الطبيعة أن تذله كثيراً فجعلت فضلاته تخرج من فمه فهو منفذه الوحيد: يأكل ويتغوط منه!
المعطى الثالث: جعلت الطبيعة نوعاً من التعايش السلمي بين كثير من كائناتها بفرضية أن الكبير يحتاج إلى الصغير، لأن الحياة قائمة على الاثنين كروافد مغذية لها، فاعتاش طائرٌ صغير على ما يلتقطه من بقايا لحوم بين فكي التمساح ليقوم بأكثر من وظيفة مزدوجة: مراقبة الصيادين وإطلاق رفرفة الخطر ك«حارس شخصي» ليتدبر هذا الوحش أمره، وبالتالي تنظيف أسنانه وأنيابه من اللحوم العالقة في تجاويفها؛
ولكن ما أن يشعر التمساح بنقاء أنيابه المبرومة من العوالق والفضلات وبقايا اللحوم، حتى يُطبق على الطائر الضعيف الذي لا يعدو كونه لُقيمة صغيرة لا تسمن ولا تغني، لكن حكمة الله فريدة بأن جعل عظمة حادة كشوكة قاتلة تضرب على فك التمساح وتمنعه من التهامه.
تماسيح الحياة كثيرة وكبيرة وصغار الطيور تملأ السماء والأرض، وبين الفاصلتين فاصلة الموقف الأخلاقي والإنساني والشهادة الصادقة والجملة الفصيحة بحق الآخرين، فالقزويني الذي يورد النص التمساحي لم يقصد تأويله، بقدر ما أورده ضمن مصنفات قاموس علمي، لكننا نحن البشر نستفيد من صغار النصوص لأننا نقف على أنياب الحياة القاسية ونعتاش منها!
اللهم لا تجعلنا على شاكلة تماسيح القزويني.. اللهم اجعلنا كهذه الطيور الصغيرة!
aridbader@yahoo.com