الطريق إلى أميركا محفوف بالمخاطر...! كم تذكرت عبارة كريستوفر كولومبوس هذه وأنا في طريقي إلى الولايات المتحدة الأميركية في أول زيارة لي إليها. كم كنت تواقا للقاء هذه الإمبراطورية ،التي لا تغيب الشمس عن مستعمراتها، رحم الله أيام بريطانيا العظمى، ولكن يبدو أن الأقدار لم تشأ أن تمر رحلتي إليها دون بصمات تخلدها في ذاكرتي ..

وهنا أذكر قهقهة صديقي عندما أخبرته بأنني كدت أن أقتل من جراء حادث كبير نتج عنه تكسر سيارتي وأنا في طريقي إلى القنصلية الأميركية كي أقدم أوراق الفيزا حينها قال ((إن الله يريد أن يقول لك لا تذهب إلى هذا البلد إنه ليس لك ))..

وحينها دافعت عن وجهة نظري بأن أي مكان في العالم هو لكل العالم وليس ملكا لأحد وإذا أردت أن تفصل أميركا كمجتمعات عن أميركا كسياسة عليك أولا ان تعرف أماكن القوة والضعف فيها وتعاينها عن كثب ..هذا الكلام التبريري لم يعجب الكثيرين ولكن ما زلت مقتنعا به حتى لحظة كتابة هذه الأسطر رغم كل ما مر علي من مشاكل بسبب أميركا ..!

فبعد تأخير لمدة ساعة على متن الطائرة التي أقلتنا من دبي وصلنا إلى الكويت وهناك كان طيران الأميركان أكثر دقة مما عرفناه عن طيراننا العربي إذ ان الطائرة رفضت استقبالنا نحن الركاب العشرة بذريعة تأخرنا عشر دقائق عن موعد الإغلاق ..

وفجأة جاءت الموافقة على استقلال طائرة أخرى إلى فرانكفورت وتنفس الجميع الصعداء، تساءلت عن عدم ابتسام الموظفة الفلبينية وهي تسلمني الجواز ..(( آسفة يا سيد لم يوافقوا على استقبالك لساعتين في فرانكفورت ..جنسيتك لا يحق لها زيارة ألمانيا دون فيزا حتى لو كان لدقائق ..!)) ما العمل الآن، ذهب أصدقائي العابرون وظلت أميركا تئن على قلبي وعقلي فماذا بعد ..كان والدي يذكرني ان الأشياء التي لا تصل إليها بسهولة تستمتع بها أكثر ..!

قليلون هم من اهتموا لأمري في هذه النقطة الحدودية، الكل مشغول ومستعجل، سقا الله أيام عزك يا دريد لحام حينما رفضت أمم الأرض عبد الودود في فيلم الحدود، فظل قريبا من كل الحدود غير مسموح له بتجاوزها. ..لم يرق الأمر لي حقيقة ولم أتلق ردا ان كان بإمكان طائرة أخرى أن تقلني الى أمستردام ..يعني أمستردام أليست من أوروبا وتحتاج الى (شنكل ) ولو كان معي الشنكل أساسا لشنكلت زملائي في رحلتهم عبر فرانكفورت ..!!

حاولت أن أذهب إلى الشرطي الموجود خلف مكتب متهالك، تذكرت حينها كل روايات غابرييل غارثيا ماركيز وقصص زكريا تامر ومقالات الماغوط عن هذا الشرطي الذي لا يملك في هذه الدنيا إلا لحظات تسمح له أن يكون سيدا على مكان يمنع ويسمح ..ولكنه زجرني قائلا ابتعد لعند الخط الأصفر وتحدث معي، حينها انفجرت لا أدري أي مفردة هي التي أثرت بي وقادتني لأن أغضب وأصرخ ..!

ولكن حتما لا علاقة للون الأصفر بالموضوع قلت له أنا صحافي وفي مهمة رسمية ومن حقي أن أسال عن وضعي فابتسم ابتسامة ( ....) ونفث بقايا الدخان من فمه وقال لي وحياة أمي لو لم أكن بمزاج عال لعرفت كيف أرد عليك هيا اذهب من أمامي أمامك خمس ثوان كي تغادر .. فنظرت إليه مليا على أمل أن يمر الوقت قليلا حتى لا أخرج مهزوما بالثواني الخمس أمامه ..

فعلت ما أمرت به، وكل ما قامت به الموظفة الفلبينية التي شعرت بالحرج مني أن اتصلت بمديرها الذي أتوقع أنه قال لها باللغة الانجليزية وماذا أفعل له دعيه يدبر راسه ..حينها كان لا بد من حل وفجأة قفزت الى رأسي فكرة أن أبيت لدى عمي الوحيد في الكويت الذي حتما سيسر برؤيتي فاتصلت به في الثالثة صباحا كي أراهن على آخر ورقة بأنني لن أسافر إلا على الطائرة المخصصة لي منذ البداية، وفعلا كانت هذه آخر ورقة قبل ان أصاب بالعطب وأرجو أن لا يسألني أحد عن العطب لأنني لا أعرف كيف أفسره ...؟!

ذهبت إلى الموظف الآخر فرد مهنتك ربما لا تخولك الدخول إلى الكويت فنظرت إلى موظف بجانبه وقلت له في لحظة انشغال الآخر عنه ( بحياة أبوك تمشيني ) فهز رأسه بمعنى أنك وصلت ..فالك طيب ..وتأملت خيرا وفعلا قال لي هات جوازك، (...أين جواز سفري البائس لم أجده) من أخذه مني .. أول مرة أسمع فيه الفلبينية تقسم بالعربية والله ليس معي .. ضاعت أميركا ..وضاعت الكويت ...وضعت يا جمال ..أي جمال من سيعترف بأنني جمال ..؟

شابة فلسطينية ابتسمت في وجهي قائلة: أنا وين شايفتك فحاولت أن أبتسم بروح رياضية وأنا أكاد أزلزل المكان من شدة غيظي، وقبل أن أجيب علق شخص بجانبها ..(ما عرفتينه هذا تبع ميشو شو ..تبع قصة كبيرة) ..فنظرت هي الى الموظف وقالت له باستخفاف ..( لأ يا شاطر نسي جوازو عندي ) ..

خرجت من المكتب مسرعا الى موظف التأشيرة أين هو ذلك الرجل الطيب، قال أحدهم انتهت مناوبته بماذا أساعدك فحكيت قصتي فطلب ان أكتب عنواني على التأشيرة تفصيليا في الكويت وأراد أن أكتب عن طبيعة عملي وأن أحضر له ما يثبت أنني ذاهب إلى واشنطن غير جواز السفر فقلت له ألا تريد أن أذكر لك عدد المراكز التجارية في باريس فامتعض من سؤالي وأفهمني بطريقة شبه مهذبة أن التزم بالقوانين ...!

..وأخيرا جاءتني الفيزا، دخلت الكويت وثبت الحجز الجديد الى أميركا بعد ان استلمت حقائبي، واستسلمت لتعب ونعس فظيعين وانا اسمع صوت عمي في سيارته وهو يختار اجمل مفردات الترحيب، فمنذ ثماني سنوات لم يرني ..وصلت البيت منهكا، نمت قليلا واذ ببعوضة تحوم حول اذني بطريقة مزعجه لكي أقوم من فراشي ولأسجل لكم أولى رسائلي في السادسة صباحا عن قصتي مع «العم سام» وعن رحلتي إلى أميركا...!

الكويت ـ جمال آدم