لا يزال «أحمد سالم طارش الكعبي» يسمي البحر بـ «الغيل» ويسمي الأغنام «الطلوية» والموقد «مرخص» وقطعة القماش «الخلكة» ولا تزال مفردات الطبيعة الجبلية والبيئة المتاخمة للصحراء حاضرة على لسانه . ورغم أعوامه الستة والعشرين وشبابه الأول ، إلا أنه يمثل جيلاً بدوياً صارخاً في انتمائه إلى الحاضنة القروية التي تتمثل فيها البساطة والقوة وعنفوان الحياة الجادة ، رغم أن العصر يريد أن يغادر الكثير مما بقي من الماضي! هذا الشاب الحتّاوي لا يزال على فطرته البدوية؛ بلباسه التقليدي ؛ بطريقة كلامه ؛ بمفرداته التي لاشك أنني كدت أواجه صعوبة في فهمها لولا فطرتي على البداوة وتشبعي بنقائها الأصيل.

سعيدٌ هو الكعبي بحياته وبسيطٌ بساطة المدينة التي لابد وأنه يراها قرية في عينيه مهما كبرت واتسعت وتغلغلت فيها أدوات الحضارة ، فقرية التكون والتكوين وفطرة الانتباه إلى مكونات الطبيعة الغارقة في جمال أزلي طويل المدى.

لم يسعفه الحظ أن يتعلم ويجرب أبجدية الدراسة، شأنه شأن القرويين الذين اندغموا بتفاصيل الطبيعة واغترفوا منها دروس الحياة والصبر لتكون مدرسته المثمرة في مواجهة الآخرين ومواجهة تطلعاته البسيطة؛ فهو سليل الطبيعة وحطّاب القرية؛ ابن النبات وصديق الأعشاب والروابي والسفوح. ابن النحلة الحمراء، ابن العسل البلدي ، الراعي المبكر قبل الشمس ، قائد القطيع إلى السيول والمرابع الخضراء والغدران والوديان، ولأنه هكذا فقد اكتسب صفته الشخصية من أنه البدوي الأخير في عصر العولمة التي لا يعرفها ولا يأبه بها ، لأنه يدرك بحاسة البدوي المتجذرة فيه أن العولمة هي هويته وأرضه وماشيته.

سيقول لك الكعبي إن «المهددية» و«السريوه» و«العسبك» و«الحمّاض» و«الدغابيس» و«الحرملّي» و«الشكاع» هي من نباتات الجبل ويمكن أن يكون بعضها دواء وشفاء للحيوان بعد الغسل والطبخ . وبلغة خبيرة يقنعك هذا الشاب كيف تنظف معدة الخروف المصاب وكيف يتم تجبير كسور الماعز باستعمال (السح) والكركم) والسمن والملح و«الخلكه» التي تعد بمثابة الجبيرة لموقع الكسر، ولدواء (عين) الحيوان وتقليل الدمع فيه يجزم الكعبي أن قليلاً من (الشكر) كاف لإيقاف المجرى الدمعي فيه، أما (الجَرَب) الذي يصيب معظم الحيوانات فعلاجه ليس عسيراً إذ يكفي (سم الجراد) والكبريت لقتل الدويبات المسببة للمرض و(قطعة خيل) لكي «تروح» المسببات المَرَضية ، وكذا العنزة المريضة فيتم علاجها بالأعشاب وتضميدها بالحطب أو بوسمة النار.

يدرك الكعبي بوعي مجرّب أن أنواع العسل هي: (برم ويبياب وعشب) ويعرف (علايم) العسل ومناحله المنتشرة بين الجبال، عبر المراقبة الدقيقة لذباب النحل صباحاً حين تراود «الذبابة» ماء الفجر الصافي بالنظر الطبيعي أو بالمرقاب فيتم متابعتها لتحديد أماكنها.

بين (العسبك) و(الدعم) يتوقد (مرخص) النار، وبين (الذيب) وكلب البر والثعلب لابد من حراسة القطيع لأن القطيع (تروكن)، وبين ثلاثية (البسر) و(الخلال) و(الرطب) لابد من وجود (الخصف) ولا بد أن يوضع الخصف تحت الشمس أربعة أيام (عشان) (يزل) الدبس.

وقتٌ جميل ودسم لجليس الكعبي أن يثمر عن معرفة فطرية للطبيعة وموجوداتها ومكوناتها الجمالية والسحرية، ولا شك أن هذا الشاب الذي حفظ رسالة الأسلاف وانطوى على أسرارها وخبرتها هو من النوع الذي سيكون ذاكرة صافية للجبل والصحراء معاً.

حتا ـ وارد بدر السالم