في الطريق إلى زيارة موقع تصوير فيلمه الجديد على رمال صحراء مدينة العين في إمارة أبوظبي، يأخذك الغوص في غبار الكثبان المتحركة إلى أسئلة لا أجوبة نهائية عليها، ما الذي دفع الرحالة الانجليزي «ويلفرد ثيسجر» الملقب مبارك بن لندن لاجتياز صحراء الربع الخالي، والدخول في معارك قاسية مع الحياة؟
هل هي الرغبة في اكتشاف المجهول حقاً، أم هو امتحان للنفس على تحمل الألم والمعاناة، أم تراه كان مدفوعا لتحقيق مصالح سياسية ما كما قيل وهو أمر مشكوك بصحته؟
أسئلة كثيرة برسم إجابات مؤجلة عنها، ولكن يبقى العنوان الكبير الآن أن مبارك بن لندن يزور دولة الإمارات العربية المتحدة للمرة الأولى بفيلم سينمائي بعد رحيله قبل سنوات عن الدنيا، وهذا الفيلم حشد له المخرج مجيد عبد الرزاق كل ما يستطيع من أجل إنجاح تجربته السينمائية الثانية له في هذا المجال بعد فيلم «العقاب».
وشكلت سيرة حياة مبارك بن لندن التي كتبها هو شخصياً الرصيد الفكري والفني لعبد الرزاق، كي يبدأ منها رحلة في الرمال العربية، وفي جولة سينمائية جديدة ضمن عالم هذا الرحالة الإنجليزي الذي كان حضوره في منطقة الخليج العربي إشكالياً له، ولكل من حوله، ولمن رافقه في جولاته في المنطقة.
«الرمال العربية» هو عنوان الفيلم الذي يتكئ في العنوان على عنوان كتاب السيرة الذاتية لبن لندن وعلاقته مع الصحراء العربية والتي كتبها متنقلاً بين الدنمارك وايرلندا بين عامي 1957 و1958، حيث قال بعد أن أنهى كتابتها: «لقد دونت كل ما لدي بحق الأرض وما فيها في كتابي الأول (الرمال العربية)». يجري تصوير الفيلم في الصحراء بين العين وصلالة، واستعان المخرج بطاقم عمل إيراني في التصوير والإضاءة والماكياج لخبرتهم الكبيرة في تلك المجالات.
وهذا الفيلم الذي يعتمد على الممثل الخليجي فقط، سينتهي التصوير به خلال شهرين بحيث يكون جاهزاً للعرض خلال الصيف المقبل، ويجري التحضير لإطلاقه في عدد من دور السينما العالمية بالتزامن مع صالات الإمارات.
يشارك في تجسيد الأدوار كل من: علي التميمي وأشواق وعبيد بن صندل وبلال عبد الله وحميد المهيري ومحمد سالم، ونعمان قابوس الشنفري وفخري مراد البلوشي ومسلم بركات وعبد الله الطراروة من الكويت.. وآخرون. ولا تبدو الأسباب معروفة التي قادت بن لندن إلى هذه المنطقة ومحاولته كشف كل الجوانب السياسية والاجتماعية والثقافية والسياحية لمدة خمس سنوات والبعض يقول إنها سبع ..!
على كل الأحوال اعتاد بن لندن بعد نهاية الحرب العالمية الثانية على زيارة المنطقة كل شتاء ومحاولة سبر أغوارها والتنقل بين وديانها وصحاريها محاولاً معرفة كل ما يدور فيها وتوثيقه بالصورة والكلمة، وكانت آخر هذه الرحلات كما يقال نهاية العام 1950 .
ويعتبر بن لندن أول من قطع صحراء الربع الخالي، وكان عندما ينتهي فصل الشتاء يغادر المنطقة إلى بلاده، ثم يعود في الشتاء التالي، وتبدو قصة أسفاره في المنطقة مثيرة لجهة محاولات تعرضه للمنع والقتل والطرد مرات كثيرة، ولكنه لم يأل جهدا من أجل تحقيق رصد شامل وكامل عن المنطقة.
المخرج مجيد عبد الرزاق قال إن سيرة حياة بن لندن ما يجعلها متفردة وموحية بتحقيق فيلم سينمائي عن الفترة التي أمضاها في هذه المنطقة، وحقق من خلالها كتاباً قيماً عن تنقلاته تلك.
ولعل ولع بن لندن بالجانب الحكائي، الذي ربما اقتبسه وحققه بناء على احتكاكه بالعرب، ومعرفته بلغتهم وأجوائهم وأحوالهم، قاده لصياغة دقيقة، وللوهلة الأولى تجد نفسك واقفاً أمام سيناريو جاهز لتقديمه كفيلم سينمائي.
وعن تحقيقه أول فيلم عن مبارك بن لندن والجدوى منه الآن، قال مجيد عبد الرزاق المخرج والمنتج ومجسد شخصية بن لندن في العمل في حديثه مع «البيان»: هذا أول فيلم يتناول حياة هذا الرحالة الانجليزي الذي لفت أنظار العالم إلى رحلاته وأسفاره في منطقة الخليج العربي، ويعتبر من أوائل الذين اقتحموا عزلة صحراء الربع الخالي، وسجلوا ملاحظاتهم حول هذه الرحلة بكل ما فيها من غرابة وإثارة ودهشة. أما لماذا بن لندن الآن؟ فالسؤال يتسع ليشمل لماذا السيرة الذاتية الآن..ولماذا العمل السينمائي الجاد في هذا الوقت ؟..
بطبيعة الحال هناك الكثير من الإجابات التي تتأطر في القول إن مبارك بن لندن شخصية تحتاج إلى المزيد من إلقاء الضوء عليها، لأنه قدم صورة الإمارات بحيويتها وجمالها كجمال الصحراء فيها، وكرم أهلها وشجاعة ناسها منذ نصف قرن، فلا أقل من رد الدين بأن نحكي عن زيارته أرضنا.. وأحب أن أشير إلى أن الفيلم سيدخل السوق العالمية من خلال ترجمته إلى اللغة الانجليزية التي سترافق اللهجة المنطوقة وهي اللهجة المحكية الإماراتية.
وفي ختام الحديث مع المخرج نسأله عن مصير فيلم «الرمال العربية» وهل هو كمصير فيلم «عقاب» فقال ضاحكاً: «لقد استفدنا من تجربة «عقاب» بأشكال مختلفة، وأظن أن التجربة الأولى غالباً ما تمر بمشكلات ربما تكون خرجت عن السيطرة، على كل نتمنى أن يدرك المشاهد أن «الرمال العربية» سيكون رسالة مهمة للعالم عن شخصية مبارك بن لندن.
وأثناء انتظارنا في الخيمة التي شيدت وسط الرمال، أطل الشاعر الإماراتي علي التميمي وكانت مفاجأة بالنسبة لنا ان يكون في عداد الممثلين الذين يقدمون الفيلم، وهو يجسد شخصية «حمد بن هنا»، ويبدو ان الاعتماد على الشاعر الكبير التميمي جاء من اجل الذاكرة التي يحفظها عن تلك المرحلة ورجالاتها وقال لـ «البيان»: «العمل ينعش الذاكرة الإماراتية عن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث جاءنا بن لندن محملاً بهموم البحث والتقصي عن الحقائق ومحاولة اختراق الربع الخالي.
وفعلاً هو استطاع وبمساعدة بعض النبلاء من تحقيق هدفه، وأظن ان «الرمال العربية» سيرة شخصية مفعمة بالتفاصيل التي ستنفي عن بن لندن تهمة كونه جاسوساً انجليزياً، لأن كل تصرفات الرجل كانت توحي بأنه أحب هذه البلد وأحب أهلها وناسها، واعتقد ان المعطيات المتوفرة تقول إننا أمام فيلم متقن وبمواصفات عالمية».
أما بلال عبدالله الذي يقوم بدور ضيف شرف في العمل، فيشير إلى أن الإمارات يجب أن توفر الدعم لهذا العمل، وتسعى لإنجاحه بكل الطرق لأن الفيلم يحمل اسم الإمارات أولاً وأخيراً وسمعة الممثل الإماراتي.
العين ـ جمال آدم
