في بر دبي، وسط المدينة، بين العمارات الحديثة والأسواق التجارية المكتظة، وعلى مقربة من أنفاس الخور، يمتثل حصن الفهيدي لسطوة التاريخ وقرنين من الزمان مشرفاً على سور المدينة القديمة كأحد أجزائه المهمة ومركزه الدفاعي، وهو أقدم مبنى لدبي القديمة كما تشير وقائع الحصن ومدونات الجغرافية ومتاحف الذاكرة البحرية والبرية التي لا تزل حيّة وكأن الأمس يتحرك في مفاصل المدينة ويقيم فيها.
بمواجهة البحر يشمخ الحصن الدائري حتى الآن كما أنشئ بولادة القرن الثامن عشر في عام 1800، يومها كان العصر بسيطاً ومفتوحاً على الحياة بعيداً عن متطلبات المدنية الضخمة؛ لكن وعي الإنسان بالمخاطر المحتملة وضرورة حماية وجوده .جعله يلتجئ إلى تحصين مدنه بالممكن المتاح من وسائل الدفاع المباشرة، ليس أقلها إنشاء الحصون المتقدمة على أسوار المدينة لتكون أبراجها بمثابة (عيون) راصدة ومصدات أولية متينة للأعداء، وهكذا كان على هذا الحصن أن يقوم بدور الإنذار المبكر أولاً، وثانيا جداراً يتمرس خلفه المدافعون في حالات النفير العام وخوض الحروب دفاعاً عن المدينة وأهلها.
صمود الحصن
الفهيدي حصن عامر حتى الآن بطابقيه ؛ شُيّد من الصخور البحرية المتوفرة ومادة الجص بطول 41 متراً وعرض 33 متراً من غرف طويلة تلتف حول فناء الحصن وتطل مداخلها عليه، كان يوماً نقطة ارتكاز لسور المدينة الصغيرة، لكنه أصبح في عصر التكنولوجيا متحفاً يروي جزءاً من تشبث دبي بالمستقبل، وتتكامل جماليات الحصن الفنية والمعمارية والتاريخية رغم زحف المدينة الحديثة والحضارة العملاقة التي تطوقه من كل الجهات.
وقبل أن ينتقل حاكم دبي إلى الشندغة عام 1896 حيث كان مسكناً له، ظل الحصن يمثل مرحلة هامة في تاريخ أمارة دبي، لأنه كان يمثل مركز الحكم وإدارته، و تنوعت استعمالاته في لواحق السنوات حسب تطور الحياة المدنية، ورغم صروف الزمان إلا أن الحصن صمد أمام تقادم السنوات وتطور الحياة وظل كعلامة من علامات البقاء الأزلي.
طراز الحصن أنشئ بواقع طابق واحد يطل على حوش واسع كفضاء مفتوح، تتوزع على سطحه ثلاثة أبراج دفاعية أقدمها في الزاوية الجنوبية الغربية بارتفاع 12 ونصف متراً، والبرج الثاني مستطيل الشكل تم إنشاؤه في فترة لاحقة في الزاوية الشمالية الغربية ويتكون من ثلاثة طوابق، البرج الثالث مستدير الشكل ويحتل الزاوية الشمالية الشرقية .
ويوجد درج مفتوح يؤدي إلى السطح أعلى القاعات، وفي منتصف الحوش توجد بئر لتلبية حاجات القاطنين وخاصة أثناء الحروب.وللحصن بوابة رئيسية صنعت من خشب الساج تبرز منها أسافين حديدية مدببة الرؤوس وثبتت على البوابة.مطارق نحاسية نقشت فيها عبارة [يا ألله - محمد ] واسم الشيخ سعيد بن مكتوم حاكم دبي [ 2191 - 8591]
متحف الأجيال
تحول الحصن إلى متحف وطني عام 1971 كحاضنة كبيرة للمدينة القديمة، وصورة وافية للأجيال الجديدة التي تطلع على السلف الباني والمؤسس؛ وتم تقسيم العرض المتحفي بعرض نماذج من الأسلحة القديمة وألبسة الحرب التقليدية، ونماذج من القوارب الصغيرة المتنوعة الأغراض وتاريخ مدينة دبي .
كما عرض المتحف أنواعاً كثيرة من الحرف الشعبية التي كان يزاولها مواطنو دبي في أوقات مختلفة من حياتهم أبرزها حرفة الصفارين والحدادين والخياطين وصنّاع السفن وبائعو المواد الغذائية في سوق السبخة والبطين، وقد تم تجسيم سوق شعبي قديم بتمام تكويناته الشعبية والتجارية المتداولة لتقريب صورة مصغرة من الحياة التي كانت سائدة آنذاك ورافق هذا التجسيم مؤثرات صوتية وصورية استحضرت القديم المؤسس لحياة كان عليها أن تنمو وتتكاثر في ولادات الزمن لتصل إلى حاضر كان عليه أن يرى ما سبقه.
ولم يغفل العرض التطرق إلى حياة أبناء دبي بتنوعها اليومي بين السوق والمسجد والمسكن، ومن ثم ينتقل العرض الي المزارع والواحات بمزروعاتها وطيورها وإلى البادية وأسلوب الحياة للبدو والحياة البرية . وحيث أن الأنشطة البحرية تعد جزءاً أساسياً من تاريخ دبي، تم إفراد جزء كبير من المتحف لعرض الحياة البحرية وصناعة القوارب والغوص على اللؤلؤ وصيد الأسماك وتجارتها . كما خُصصت إشارات متناوبة لبيان المكتشفات الأثرية في أمكنة مختلفة من الأمارة وما حولها في تل الأفاعي ومدافن حتّا والقصيص وتل أم سقيم.
دبي ـ وارد بدر السالم
