عالِمٌ مثل «جيمس تريفل» اختص بالفيزياء واشتغل على بيولوجيا الدماغ البشري وتمكن من أسرار الكمبيوتر وعرف الشيء الكثير من كُنه العلم وألغازه المستعصية ومستوياته التجريبية والعملية، يبشرّنا بثقة العالِم الكبير على أن الدور القيادي في الحياة مهما تعقدت مفاصلها وتشابكت تفصيلاتها سيكون للدماغ البشري أولاً وأخيراً، ومهما سيبلغه العلم من تطور سيذهل البشرية..
وتريفل عالِم جدلي يقيم الوزن للحقيقة ولا يجنح به الخيالُ كثيراً إلى ما هو أبعد من حدود الواقع الإنساني في طروحاته التي قد لا تنسجم مع مريدي العصر الفضائي والتطور الرقمي في ثورة العلم الكبيرة؛ لا بوصفه رافضاً لها أو لا يتعاطاها، لكنه ينتصر لقيم الإنسان وعبقريته الفريدة بوجود دماغه البشري الذي لا تُفَك مغاليقه على مَن يتوغل في مجاهله الغامضة التي خلقها الله كعلامة متميزة للبشرية.
ويقيم نظريته على أن ذكاء الإنسان لا يمكن أن يضاهيه أي ذكاء آلي أو صناعي أو تجريبي على وجه الأرض، كما لا يضاهيه أي اختراع لأية ماكينة علمية يخترعها العلماء وعلى مدار التجربة الإنسانية أينما كانت وإلى كل مستقبلها الطويل، وتقوم مفهوماته النظرية على معطيات وسائط الاتصال الحديثة وفرادتها في تقليص العالَم وجعله قرية عالمية صغيرة،
ومثاله التطبيقي هو جهاز الكمبيوتر بكل ما فيه من خزائن معلوماتية و(أدمغة) علمية تنوب عن البشر في أحيان كثيرة بفضاءاتها السحرية في تقديم العون والمساعدة وتخليص الزمن من شواغر كثيرة وحل الشفرات المختلفة في الحياة المعقدة، فينطلق تريفل من سؤال استثنائي علمي صريح يتفرع إلى أسئلة أخرى تتصل ببعضها وتعلق بها: هل أن تطور الكمبيوتر مستقبلاً بضوء قدرته الكبيرة على التخزين سيقلق البشرية ويهمش من أدوارها الإنسانية في رفد الحياة بمعطيات جديدة؟
وماذا لو تمكن العلماء من صناعة كومبيوتر معقد كالدماغ البشري فهل تنتفي الحاجة إلى دماغ الإنسان؟ هل سينوب هذا الجهاز السحري عن عواطف الإنسان ووعيه في الحياة؟ وباختصار فإن السؤال الأخطر الذي يواجهه تريفل: هل العلماء قادرون على «صناعة» خلية عصبية تشبه الخلية العصبية في الدماغ البشري وبنفس وظائفها البيولوجية؟؟ أي هل يمكن استنساخ الدماغ البشري كما تم استنساخ النعجة دوللي بقضها وقضيضها؟
علماء الغد المتفائلون من القفز على حقائق الحياة يرون أن الخلية العصبية التي تشكل بمجموعة كبيرة منها كتلة الدماغ البشري هي (مجرد نظام مادي) وإذا كان بالإمكان (تصنيع) خلية عصبية واحدة، فإنه لا مانع من تصنيع كم كبير منها وبالتالي يصلون إلى نتيجة قاهرة هي إمكانية (تصنيع الدماغ البشري) أي استنساخه بالتمام والكمال؟؟!
أفلام الخيال العلمي تستطيع أن تضرب في متاهات الخيال ما شاء لها، لكن الحياة ليست فلماً من أفلام الخيال العلمي ولا مادة هوليودية تثير الإعجاب والتأمل، وعواطف الإنسان ومشاعره الإنسانية واختلاجاته اليومية ليست (مادة) يمكن استنساخها أو إيجاد بدائلها في المصانع الغربية!
يقرر تريفل ذلك ويقول: أن تكون فريداً لا يجعلك بالضرورة متميزاً وان تطور أدمغتنا وصقلها هي نتاج ملايين السنوات من أسلافنا، بل ان هناك جانباً ما من قدرات الإنسان الذهنية سيبقى إلى الأبد خارج نطاق العلم؟ ونحن عالَم بلا نظير حقاً.
waridbader@yahoo.com