كل المدن الجميلة هي ساحلية بالضرورة !، وكل المدن التي ارتبط تاريخها بالماء فإنها ارتبطت بالحياة ارتباطاً مباشراً وكوّنت نسغها في مجرى البحر الكبير وبالتالي في مجرى التاريخ الصاعد الى تخوم المستقبل.

ودبي شأنها شأن مدن البحار تقترب كثيراً من هذا الوصف حينما ابتكرها الماء ايقونة خليجية نافرة وفناراً التمع على مدار زمن طويل بين البحر والبحّارة والمراكب البعيدة، فاقتسمها «الخور» الى قسمين وضفتين وجناحين لتشخص المدينة كبرعم قادم من الصحراء والتاريخ والرمال الى تجليات المستقبل المرتسم بقوة في الضفة الشرقية لخور دبي، حيث التاريخ الجاري الى يومنا هذا. يبدأ خور دبي من الماء وينتهي به في مسافة تنشقّ من البحر وتعود الى البحر كموجة طويلة تخترق قلب المدينة وتقسمها بالعدل ؛ فقسم لا يزال يحتفظ الى حد كبير بدبي القديمة: بيوتها، رملها، رائحتها، نكهتها، توابلها، تراثها، حكاياتها، مراكبها، بحارتها، أزقتها، طابوقها، مدها وجزرها، رحّالتها، صياديها، أسواقها، هنودها، أثرها، جمالياتها الغابرة ونوارسها الأليفة التي تملأ الخور وتمتلئ به : هنا الشندغة والبستكية وقلعة الفهيدي ومتحف الأجيال ومآثر التاريخ الصارخ وبساطة الحياة وبدائيتها:

هنا المكان والمكين ودورة الحياة وانبثاق نور المستقبل :

هنا الهوية الأولى

أما القسم الآخر، ديرة، فهو المزاج الحضاري الزاهي بألوان الحداثة والتحديث والأثر الجديد الشاخص بشوامخه المعمارية وفضاءات الزجاج فيه ومشاريع الإنماء وأسواق المال والتحضر الجديد وفروق الحياة المكتظة بكل ما هو مولود من صلب الحداثة والتكنولوجيا وثورة العلم ومناقب الأحياء الذين يقودون الحياة الى فضاءات أوسع وأرحب.

خور دبي هو الشاهد الأزلي على هذه الدورة الكبيرة ؛ شاهدُ الضفتين؛ ممر الماضي الى الحاضر؛ أبٌ واحدٌ يمد ذراعيه فيحتضن الأثر تلو الأثر، ويسجل ميلاد الأبناء على ورق البحر ويكتب قصيدة البقاء بريش السعف الغض ويترنم بترانيم النواخذة والصيادين والباحثين في مغاصات عميقة عن حقيقة النور ونور الحقيقة.

هذا المشهد الدائري السريع لخور دبي جعلنا في دوران تاريخي وشعبي وأسطوري لتأمل جماليات المكان وتقصي شواهده على الساحلين الغارقين بالناس والطيور والسفن ولسان البحر ونكهة السفر الى موانئ العالم، فالخور الأب الروحي لمدينة دبي وميلادها الأول، وهو مرجعيتها الكبيرة في توثيق الأزمنة التي مرت بها والتي ستمر على إيقاع العمران المتعالي.

ضفتان وعوالم متشابكة، و«العبْرَة» رئة الخور والوسيط بين عالمين متداخلين، ونوارس البحر الزاعقة إيذانٌ لصباحات جديدة تتخاطف فوق الرؤوس في لعبة الذهاب والإياب مع الريح الخفيفة ومع المطر النازف في يوم كان أكثر بهجة من أي يوم مضى.

كان الخور يجمع بين أحضانه بدو الصحراء النازحين من الرمال وصيادي اللؤلؤ الغارقين في أعماق البحر والذين يحملون سنواتهم على أكفهم، وثمة صيادو الهامور والنهّاش والروبيان والزبيدي الطامعون في رزق حلال يقيهم غائلة الحاجة والفاقة، وكل هؤلاء كانوا يشكلون عصباً تجارياً أولياً للمدينة وموطئ قدم للقادمين من أعالي البحار والموانئ البعيدة، أما اليوم فالخور بات ممراً شهيراً للقوارب التجارية التي تصدّر البضاعة الى إيران والهند وشرق افريقيا كنقطة تجارية جاذبة الى المصدرين والمستوردين، والرائي لمشهد القوارب الخشبية الرابضة سيدرك أن الخور لم يتوانَ لحظة عن أن يكون ميناء أبدياً.

فإذا غابت عنه وجوه الغواصين وصيادي الأسماك وبدو الصحراء الرحّل، فإن وجوهاً أخرى جاء بها زمن الحياة في التجارة الجديدة من التوابل والأقمشة وغيرها، وظلت قوارب الخشب المتينة الأكثر شعبية في تعاطي السفر عبر الموانئ والخلجان، وظل ربابنتها يثيرون نكهة الماضي في بساطة الحياة: خشبٌ وحبالٌ ومرسى ورائحة بضاعة تشي بالمكان الذي جاءت منه أو الذاهبة إليه.

خور دبي شريان المدينة الكبير: تاريخٌ وماض، بساطةُ الماء في جريانه العابق بالأثر البعيد والذكرى البعيدة والناس الذين تمسكوا به حتى اللحظة.

دبي ـ وارد بدر السالم