يقال إن المكان كائن حي، يشيب ويهرم، ولكنه يتصف بالخلود؛ فيتوالد من ذاته كأنما يبعث أجيالاً جديدة إلى الحياة برائحة الماضي الأثيرة وسطوع الحاضر؛ فهل تحتفظ سبعة قرون برائحتها؟

خارج الزمن، خارج المناخ، خارج ظروف الطبيعة، خارج الفيضانات والطاعون والكوليرا، خارج أروقة السياسة والاستعمار بأرديته وشعاراته المختلفة، خارج القرون ذاتها، من الممكن جداً أن تبقى رائحة أكثر من سبعمائة عام أثيرة، خارج الأثر والتأثير، تنبثق من خثرة الزمان وتنام في بيت الذكريات.

لنأخذ سوق الوراقين البغدادي (السراي) مثالاً على هذا...

عمره، رائحته، أكثر من سبعة قرون، ولا يزال مربداً للثقافة والعلوم والآداب، مثلما كان في العصر العباسي سوقاً للوراقين والكتبة والنّساخ، يقصده أهل العلم والمعرفة والأدب..

هذا المكان كان زماناً فعاد مكاناً شاخصاً في عنفوان بغداد يوم كانت أهلاً للثقافة وأثراً متأصلاً بجذره العباسي يوم ولد ونما في نهضة ثقافية شاملة قادتها بغداد وترامت إلى الأمصار والأصقاع والبلدان في أكبر انفتاح حضاري عربي لم يسجل التاريخ القديم له مثيلاً.

وعندما اندثر سوق الوراقين وصار إسطبلاً للخيول بفعل الفاعلين فلأنه كان مصدر معرفة!..

وعندما بقي دجلة، فلأن الغزاة المتعاقبين لم يستطيعوا ابتلاعه!.. ولو كانوا قادرين على ذلك لفعلوا!...

* * *

عندما نستحضر زماناً طوته السنوات وسنابك خيول التتار وطرابيش الجندرمة العثمانيين، فلنا أن نتصور الحبر العباسي الذي تحول إلى دماء غطت موج دجلة الأثير يوم اصطبغت مياهه بجثث المخطوطات الحية التي قذفها التتار بكل وحشية، فضاع المداد وبقي الأثر.

* * *

كان سوق الوراقين غرّة بغداد وعين ثقافتها. كان العلماء وطالبو العلم يقصدون مدينة السلام ليتزودوا من هذه الخزائن المعرفية النادرة، فثمة المدرسة المستنصرية التي يقع سوق الوراقين في فمها، وهي أول مدرسة نظامية عرفها العالم آنذاك، والقشلة المرتمية على صدر النهر، والقصر العباسي الذي لا يزال شامخاً لمعماره الهندسي الفريد وبيت الحكمة الذي بناه الخليفة المأمون ونقل فيه علوم العالم ووضع له خيرة المترجمين من أهل بغداد؛ ولم يكن سوق السراي الحالي بطرازه الحديث إلا امتداداً لتلك الرائحة الحية التي رسمت عصراً مزدهراً قبل أن تطفئه عاصفة: هولاكو القادمة من عصور البربرية والظلام مثلما أطفأ بغداد وأنوارها وأحرق مكتباتها ومثّل بمخطوطاتها...

بعد اندثار الخلافة العباسية ومقتل آخر خلفائها المستعصم بالله ضاعت معالم هذا السوق في سنوات الرماد والانطفاء، كما ضاعت بغداد برمتها في كهوف الغبار والظلام والنسيان، وإذا ما كان الزمن العثماني قد فرش عباءته في ظروف التناحر السياسي وضعف الدولة بعد قرون لاحقة، فإن بغداد أخذت تنهض واستشرى نور العلم والآداب في جنباتها، لا بفضل الطرابيش العثمانية الحمراء، ولا بفضل النشاط التجاري، ولا بفضل الولاة الأتراك الذين تعاقبوا على المدينة باسم الإصلاح، إنما بفضل العراقيين أنفسهم الذين كانوا امتداداً لتلك القرون الزاهرة، ينبض في أعماقهم روح الشعر وروح الكتابة ومداد الإبداع والمعرفة.

وتتدفق فيوض الشعر في مساربهم، والحكمة البليغة، وكان القهر السياسي الذي مثله ولاة كثيرون، بعد النكبة العباسية، أشعل فيهم جذوة التحدي، والألق، والفصاحة المنتزعة من روح العصور المتتالية، فكان الماضي يعود ويتجدد بشكل آخر، والشواهد تبقى والشواخص تستدق عنوة؛ فكان أن استعاد سوق الوراقين عافيته، بملامحه العباسية ولكن أكثر اقتراباً من لغة العصر، وبتسمية عثمانية جديدة: سوق السراي.

والسراي يراد بها بناية الحكومة أو مقر الحكومة العثمانية وتقع بالقرب من نهر دجلة من جهة الرصافة، وهي كلمة تعني أيضاً: دار الإعلام، وقد شيد الوالي مدحت باشا عدداً من البنايات الحكومية كدوائر البلدية والمحاكم... السراي، أيضاً، هو العمارة التي كانت تضم في العهد العثماني وزارة المعارف والشرطة العامة، كما كان السراي داراً لولاة بغداد منذ العصور العثمانية الوسطى..

* * *

إن التسمية الجديدة كانت وليدة عهد جديد، وقد انحسرت مفردة (الوراقين) كنتيجة طبيعية لمستلزمات حياة أخرى كانت أكثر إبهاراً بدخول مطبعة حكومية وضعت أساساً في إسطبل لخيول الجندرمة عام 1341 هجرية وكان هذا المكان من أوقاف السيد محمد أمين الطبقجلي، ولكن الحكومة العثمانية اشترته منه بثلاثين ألف روبية، وبلا شك فإن السوق ذاته امتلك شرعية وجوده هذه المرة بوجود مطبعة حكومية قضت على النسخ البطيء بدخول هذه الآلة، مع أن النسخ بالأصابع ظل إلى وقت طويل هو الطريقة المباشرة للكتابة واستنساخ المخطوطات التي تجود بها قرائح الشعراء والعلماء والأدباء وأهل المعارف، وكان هذا التطور العلمي مناهضاً لروح البراءة والعفوية في الكتابة الخطية، لكنه كان واقعاً لا مفر من الإقرار به.

* * *

سوق الوراقين السابق يتصل بشارع المتنبي الذي يشكل لساناً طويلاً في فمه، وهو جزء لا يتجزأ من السوق، بل أصبح رئته النابضة، ومعدته الشرهة، فهو ماكينة دؤوبة لبيع الكتب، ومطحنة لا تهدأ في توفير الكتاب النادر، الثر، الثمين، المتميز، المفقود.. ولم يكن شارع المتنبي بهذا النشاط والإدمان المعرفي، لو لم يكن عمقه سوق الوراقين القديم..

قيل إن اسمه القديم (درب زاخي) وهو اسم سرياني يشبه اسم زاخو، المدينة العراقية في أقصى شمال العراق، ولا يوجد هناك أثر مرجعي يعطي تسبيباً لهذا الاسم الغريب، غير أن شارع المتنبي يمتاز برباط أرجوان الأرمنية، التي أسلمت، وهي والدة الخليفة المقتدي بأمر الله العباسي.

* * *

أعيد بناء السوق قبل أكثر من عقد من الزمان بطريقة بناء حديثة، أعادت جزءاً كبيراً من سماته الشخصية، جمالياً ومعنوياً، لكنه بالتأكيد فقد بريقه الأول، إذ تنوعت بضاعته وكثرت دكاكينه، واستشرى فيه تجار الورق والكارتون والمخطوطات المسروقة والمراجع والقواميس وغرر الكتب العربية والأجنبية.

وارد بدر السالم