شهدت نهاية الأسبوع الماضي معركة تنافسية حادة في مسلسل الحرب الباردة بين الفضائيات العربية، طرفها الأول مجمعة تلفزيون الشرق الأوسط «إم بي سي» التي تطلق في الخامس من مارس المقبل، قناة «إم بي سي أكشن» الجديدة، التي احتلت طوال ليلة الأربعاء في 21 فبراير الحالي شاطئ فندق «جميرا بيتش» احتفالا بانطلاقتها،
وطرفها الآخر هو شركة «أوربت» التي أعلنت مؤخرا انضمام قناة «ديسكفري أوروبا» إلى مجموعة قنواتها، وهي احتلت في الليلة ذاتها صالات نادي «لوفت» في شارع الشيخ زايد لتعلن من هناك عن إطلاق مجموعة من الأفلام والمسلسلات الجديدة، والتي هي محصلة التلاقي بين «أوربت» و«ديسكفري أوروبا».
ولقد تسنى لي، بطمع الصحافي للحاق بكل ما يجري من حوله، أن أعيش هذه التجربة التنافسية الحادة بشقيها، حيث كان احتفال «إم بي سي» بمولودها الجديد «أكشن» أكثر سخاء ولكنه كان أكثر ضجيجا، وبدا: أنه يخوض تنافسا مع ذاته باستخدامه بنادق ومسدسات ومتفجرات ..
وموسيقى شبيهة بتلك المستخدمة في مسلسلات لـ «أكشن» الهوليوودية التي شهدنا مقتطفات منها. في هذه المعركة أضافت «أوربت» لرصيدها نقاطا ذهبية تمثلت باختيار نهجها الذي يصب في كل ما يمثله اسم «ديسكفري»، وهو نهج لـ «لايف ستايل» الذي يقدم الأفلام والمسلسلات الواقعية المعرفية والتعليمية والمهنية الهادفة، فيما كاد «أكشن» لـ «إم بي سي» ينحصر في أفلام ومسلسلات العنف والرعب والقتل والتدمير،
إلى درجة أبقى لسان حالنا طوال ساعتين أمضيناهما عند شاطئ الجميرا على المقولة-السؤال: «ألا يكفينا ما نشهده من قتل وعنف ودمار ورعب في العراق وفلسطين ولبنان؟»، إلا أن اقتران الإبداع بالإثارة في اختيارات «إم بي سي أكشن» من شأنه أن يشكل، مع ميزة الوصول مجانا إلى المشاهد، عوامل استقطاب لفئات عمرية شبابية واسعة، فيما أن عامل «التشفير» والخدمة المدفوعة من شانه أن يحد من اندفاع الفئات العمرية الشبابية والناضجة التي تهدف كل من «أوربت» و«ديسكفري» إلى إستقطابها والوصول إليها.
ويبقى أن كرم «إم بي سي» وإبداعها وإثارتها لا تعني إنها انتصرت في هذه المعركة، وفي المقابل فإن تواضع «أوربت» و«ديسكفري أوروبا» ورصانتهما وموضوعيتهما لا تعني بالضرورة أنهما انهزمتا في هذه الحرب المفتوحة والمؤهلة لالتحاق لاعبين جدد بها، طالما أن المال موجود وأن المشاهد «حاضر ناضر» للتلقي، لأن هذا التهافت على هذا الكم من الإنتاج الغربي يعني أولا وأخيرا أن لا منتصر في هذه المعركة، وأننا كلنا خاسرون، وأن الخاسر الأكبر هي حركة الإنتاج السينمائي العربية والمواطن العربي عموما.
وهذه النتيجة لا تعفي بأي حال، لا «أوربت» ولآ «إم بي سي» من تهمة التقصير، أو المسؤولية، عن غياب هوليوود أو بوليوود عربية تتنافس في داخلها المؤسسات الإنتاجية العربية في إنتاج أفلام ومسلسلات «أكشن» تخدم القضايا العربية على اختلاف تنوعها وميادينها، ولو أمكننا أن نحصي حجم الأموال العربية المدفوعة منذ خروج العرب إلى الإعلام الفضائي حتى اليوم، ثمنا للأفلام والمسلسلات الأجنبية التي تملأ ما يفوق نسبة 60 في المئة من هواء وفضاء المحطات العربية،
لربما أمكننا القول ان هذه الأموال كانت قادرة على إنشاء هوليوود وبوليوود عربيتين معا، قادرتين على إنتاج أفلام ومسلسلات لـ «أكشن»، إلى جانب خلاف ذلك من الإنتاج السينمائي الذي يهتم بمعالجة مختلف نواحي البيئة الحياتية والاجتماعية والثقافية والفنية العربية، لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار الجاهزية والحضور الكاملين للطاقات الفكرية والإبداعية العربية،
والدليل على ذلك هو هذا الإنتاج الذي تحققه بنجاح، رمضان بعد آخر، الدراما العربية متعاضدة ومتعاونة ومتنافسة بشرف فيما بينها، والسؤال العريض الذي يمكن طرحه هنا: لماذا لا تتحول المنافسة المتمثلة في شراء «الآكشن» الأجنبي على اختلاف أنواعه، إلى منافسة إنتاجية عربية على غرار المنافسة في إنتاج الدراما العربية؟
وحتى لا نبقى أسرى النصف الفارغ من كأس الإنتاج لا بد من أن نشير إلى النصف الملآن منها وهو المتمثل بحضور شاهد على المعركة التي دارت بين صالة «لوفت» وشاطئ فندق «جميرا بيتش»، يمتلك نقاطا إيجابية، وهذا الشاهد هو مدينة دبي للإستديوهات التي ستشكل حكما عامل تحريض على الإنتاج السينمائي العربي
وتبني تسهيل عمل الطاقات الواعدة في هذا القطاع، ولكن نجاح هذا الشاهد في طموحاته لا يمكن أن يكتمل إلا بتعاون إنتاجي عربي كامل يخرجنا جميعا من التهمة الرائجة بأن العرب يهدرون أموالهم ولا يحسنون استثمارها وتوظيفها في بناء مستقبلهم.
دبي ـ غسان الحبال
