بالنسبة للمواطن الصيني وانج فينجوان فإن الكهف الذي يعيش فيه يمثل قلعته الحصينة.. فهو يعيش في كهف كبير وقد عقد النية على ألا يبارحه فيما رفض أفراد 20 أسرة أخرى في القرية الرحيل عن كهوفهم التي تأويهم. وفي مقاطعة جيتشو الفقيرة النائية في جنوب غربي الصين قال وانج وهو يجلس في منزل بناه داخل كهفه الأثير الذي يعيش فيه هو وأسرته منذ أكثر من نصف قرن «إلى أين يمكن أن ننتقل؟».

وقال بلغة الماندرين «انه منزلنا. ولقد اعتدنا عليه».، ويطلق على قرية وانج اسم تشونجد ونغ وتعني باللغة المحلية «الكهف الأوسط» وقد بنيت القرية نفسها داخل كهف طبيعي ضخم في حجم حظيرة الطائرات منحوت في جبل. وتشكل هذا الكهف الضخم عبر آلاف السنين بفعل عوامل التعرية من مياه ورياح وتغيرات زلزالية.

وفي مناطق أخرى في الصين يعيش الناس في بيوت نحتت عند سفوح الجبال إلا أن الحكومة المحلية ترى أن قرية تشونجد ونغ هي آخر مكان بالبلاد يعيش داخله الناس طوال العام في كهف طبيعي موحش. أما سكان الكهوف فهم جميعهم قرويون من عرق مياو الذي يفترض انه ينبثق من أنسال عرق همونج في جنوب شرق آسيا والسكان هم إحدى جماعات الأقليات العديدة التي تعيش بمنطقة جويتشو. وبلوغ الكهف من أشد الأمور وعورة إذ يستغرق الأمر أن تسير بالسيارة أربع ساعات تقريباً انطلاقاً من العاصمة الإقليمية جويانج وتمر السيارة خلال الساعة الأخيرة من الرحلة وسط طريق ضيق ملاصق لجانب الجبل يغص بالقاذورات ومحفوف بالمخاطر ويمر نهر أسفل هذا الطريق.

إلا أن المرحلة الأخيرة من الرحلة إلى تشونجد ونغ عبارة عن مسيرة أكثر من ساعة عبر مسار منحدر ذي صخور ناتئة وعرة. وعبر هذا الطريق الخطر يجب أن تمر شحنات من جميع الأشياء من أغذية وخرسانة وحتى غسالات الملابس. وقامت الحكومة بتشييد مساكن لهؤلاء القرويين في واد أسفل الكهف إلا أن القرويين يتمسكون بكهوفهم ويقولون إن هذه المساكن الجديدة «دون المستوى» وان مياه الإمطار تتخللها أثناء هطولها بغزارة وهي من السمات المناخية لمنطقة جويتشو الرطبة.

وقال وانج هوتشونج وهو مواطن آخر من سكنى الكهوف يجلس على أرضية المكان يقضي يومه في صناعة أبسطة من البامبو «فكرنا مرة في الانتقال من هنا لكننا لا نريد مبارحة المكان الآن».

وقال وهو يحمل بلطة في يده لشق أعواد البامبو «نحن آخر قاطني الكهوف في الصين. الحياة مريرة». وخلاصة القول فإن الحياة هنا في القرية مضنية للغاية إذ يقول القرويون إن الأسرة المحظوظة هي التي تحصل على ألف يوان «129 دولاراً» في العام. وتنجب النسوة في هذه الكهوف في بيوت ذات أرضيات قذرة ويستخدم السكان الخشب في التدفئة ويقع اقرب مستشفى على مسافة خمس ساعات سيراً على الأقدام.

لكن خلال السنوات القليلة الماضية تحسنت ظروف الحياة بصورة ملحوظة ويقول البعض ان هذا عزز من التفاؤل في نفوس السكان.

فقد تم توصيل الطاقة الكهربائية إلى الكهوف عبر كابلات معلقة على جانب الجبال كما أنشئت مدرسة ابتدائية وهي عبارة عن مبنى يشابه بدرجة كبيرة نمط البناء في المنطقة الذي يتميز بعدم وجود سقف إذ أن الأمر لا يتطلب هذا السقف لوجود المبنى داخل الكهف الهائل.

وفي أربعة من هذه البيوت توجد أجهزة تلفزيون وبعضها به أجهزة تشغيل أقراص الفيديو الرقمية «دي في دي» ولدى بيوت أخرى غسالات للملابس فيما يوجد عند مدخل الكهف طبق لاستقبال إرسال الأقمار الصناعية كما أن شبكة الاتصال بالتليفون المحمول تمتد إلى داخل الكهف.

ويقول القرويون إن نمط الحياة في المدرسة يمثل انقلاباً جديداً إذ يتحدث الأطفال بسعادة لغة الماندرين بطلاقة وذلك على خلاف الوالدين والأجداد الذين يتحدثون بالكاد اللغة الرسمية للصين.

وقال وانج فينجوان: «عندما كنت اصغر سناً اعتدت ان أسير لثلاث ساعات كي أصل إلى المدرسة. ثم ثلاث ساعات أخرى للعودة إلى البيت. أما المدرسة الجديدة فهي عظيمة».

وأقيمت فصول لمحو أمية البالغين فيما ازداد عدد ربات البيوت اللائي يقبلن على استيفاء استمارات التقديم للالتحاق بهذه الفصول. وتم تعليق استمارات على لوحات الإعلانات خارج البيوت توضح عدد من تمكنوا من محو أميتهم. إلا أن احتياجات الحياة اليومية الأساسية لا تزال تمثل عبئاً إذ يقطع القرويون رحلة أسبوعية تمتد لخمس ساعات إلى اقرب بلدة لشراء ما يحتاجونه من سلع مثل معجون الأسنان والصابون فيما يبيعون في سوق البلدة ما لديهم من طيور وحيوانات داجنة. وتشتد حاجة سكان الكهوف إلى المياه في فصول الجفاف وعلق الناس الجرار حول الكهف لتجميع قطرات المياه المتساقطة.