بين خرائط الرحالة وبراجيل الأثر المتبقي وحكايات البدو الذين كانوا هنا، تقف البستكية على حافة الخور شرقي المدينة القديمة وتنفرش على عبق الماء وتتوارى خلف ظلال المساء إلى ليل يكتظ بأسوار المدينة وشواهقها المعمارية وألقها الجديد.
ولدت الحارة في يوم ساخن، كثير الرطوبة من عام 1890 من أمًّ بدوية وأب جوّاب في قيعان البحار. وتجددت ولادتها مع الفصول التالية كلما انفلقت صَدَفَةٌ أبهرت الشمس، وكلما حدا الحادي يشكو الهجير وضياع الصوت في فلاة عميقة القرار: هكذا تولد بعض الحارات، وهكذا تنمو الأحياء من غربة ومَحارة وأغنية متبددة في بين الرمال، والبستكية يومها كانت تشد جديلتها في موجات الخور وعلى سفن اللؤلؤ الغائرة في بطون البحار تهيئ ولادتها الأولى بين الرجال المسحوقين تحت الشمس، يوم كان البحرُ وقبل قرن من الزمان رديفَ الصحراء وأخَ الرمال الحمراء ووسادة طيّعة للمترملين على ظهور النوق.
الشكلُ والجوهرُ للبستكية متضامنان إلى حد التطابق النفسي والتاريخي: الشكلُ هويةٌ لمّا تزل قائمة ضمن رقعة دبي القديمة بطابعها التراثي المحلي وعمارتها التقليدية الخشبية وفناءاتها الداخلية ومساحاتها المتداخلة وزخارفها الجصية وطابوقها البحري وأبوابها المطرزة برؤوس المسامير الغليظة وبراجيلها الهوائية العالية، أما الجوهر فهو الإرث الذي لم ينطمس بعدُ: رائحة الحياة القديمة وظلال البيوت المتكاتفة والممرات المتقاربة التي تحاصر الشمس ولفح الهواء الحارق، وثمة الطُّرُزُ المعمارية التي وشمت بيوت الحارة بالتيجان والأقواس والنقوش والخشب الزنجباري والشبابيك المطلة على رائحة الخور والسمك وشباك الصيد وحلم اللآليء العسير.
معمارها يشي بنوعية السكان الذين سكنوها قبل النفط، مع أنهم هجروها بعد النفط، وما بين العهدين كان للبستكية وغيرها من حارات وأحياء التشكّل الأول أن تتوارى خلف خريطة النفط الجديدة، لكن المصادفات، وربما الحظ، وربما الوعي، وربما أصالة الكثيرين، أوقفت زحف الغنى السريع إليها وحوصرت بالماضي وظلت حتى اللحظة ممسكة به ومتشبثة بقميصه العتيق.
ابتعدت البستكية عن الحاضر بمقدار أعوام ولادتها وبقيت متشبثة بصيرورتها الأولى في دبي القديمة كأثر وشاهد وحلم لم يبارحها حتى لحظة المطر الذي كانت فيه، كأنما تترصد حنين الماضي عبر القادمين إليها وتعيد تشكيل الذكريات عبر النوارس التي ما فارقتها لحظة واحدة، وتحاور الحاضر بلغة متشكلة من زواج لؤلؤة بصقر يطوي الآفاق القصية. عندها سنعرف أية أشواق وذكريات تحملها هذه البقعة الخلاقة من بقاع دبي وهي ترنو إلى الشواخص الجديدة المتعامدة، المتعالية إلى ذرى الغيوم، وعندها سندرك قيمة ما تبقى من الأثر في خرائط الرحالة وبراجيل البيوت الصامتة وحكايات البدو التي لم تنه بعد.
قصة البستكية هي قصة الماضي وقصة الولادات المتعددة لحارة شاءت أن تبقى إلى مطالع القرن الحادي والعشرين محتفظة بسور تاريخي ذي ثلاثة أبراج سبقها في الولادة ليحمي المدينة من اللصوص والغزاة وذلك في بدايات القرن الثامن عشر، وكانت أبراجه الثلاثة عيوناً تتسع في النهارات والليالي وتلتقط النية قبل الفعل كتعويذة للسكان من المخاطر الخارجية وحرزاً حريزاً لهم من الغزو والموت القادم من مجاهل البحار.
ما تبقى من سكان البستكية صاروا جزءاً من الأثر وجزءاً من التراث وجزءاً من المشهد السياحي الجذاب. ينتقلون بين الأصل وبين الأثر، مندغمين مع الحاضر الشاهق بشواخصه الجديدة التي تحكي رواية أجيال متوالدة بين البحر والصحراء.
الأجيال الجديدة التي تمسكت ببقائها الحر انتمت إلى الوصية القديمة بأن يوصلوا البعيد بالقريب ويحتفظوا برائحة الطلْع وشذى الشجيرات المتوارية خلف الجدران العالية ويذودوا عن قامات النخل ويغسلوا البراجيل بدمع الأمطار التي لا تأتي كثيراً!
كل الأجيال المتبقية؛ على قلتها؛ أمينة لذكرى البحار ومغاصات الآباء ورائحة الماضي بكل تجلياتها الجميلة؛ وهي أجيال البقاء الجميل على مأثرة التاريخ المنصرم؛ وعندما تنامت دبي باضطراد كان شكل المدينة يتغير كأن رياحاً مجهولة غيرتها، لكن الصدى القديم ظل ماثلاً في البستكية والى الآن بمعجزة جميلة في نهاية المطاف لهذه الحاضنة الأم.
الدهر لم يفسد الحي ـ الأثر بل زاده جمالاً وإقبالاً وجعله قبلة السياحة ومشهداً للخلود العاطر وزاد من شخصيته قيمة، رغم أن موجات السنوات المتلاحقة تمادت عليه؛ على عمرانه وبيوته وذكرياته وأجياله، لكن أعمال الترميم التي بدأت قبل سنوات لتأهيل الحي وتطويق انهياراته المحتملة نجحت إلى حد كبير في الإبقاء على نبض البستكية وجعلها حاضنة ثقافية وسياحية في الحفاظ على قامتها شاخصة كما كانت قبل مئة عام.
دبي ـ وارد بدر السالم



