حينما غادر ديتر غراف (مهندس ميكانيك طيران) ألمانيا قبل أكثر من شهرين قاصدا الإمارات ليحقق خلال أيام كما كان ينوي بعض الصفقات التجارية الخفيفة التي تتلاءم ووضعه المادي، لم يكن يعلم أن القدر يخبئ له واحدة من الصدف القاسية التي كادت أن تودي بحياته لولا تدخل العناية الإلهية ووصوله في الوقت المناسب إلى مستشفى الزهراء في الشارقة لمعالجته من اثر النوبة القلبية المفاجئة، حيث جرى إنعاشه، ليرقد في المستشفى قيد المعالجة والعودة إلى حياته الطبيعية.
القصة تبدو طبيعية ولا إثارة فيها، ولكن خبرا نشر في إحدى الصحف المحلية حول غراف إلى شخصية معروفة يستوقفه الناس ليسألون عن صحته، ولا تتوقف المكالمات الهاتفية أو الفاكسات على مقر إقامته في فندق «ماجستيك» لعرض المساعدة عليه في انتظار إجراء المقتضيات القانونية في حقه ريثما تبرأ ذمته ويغادر إلى مدينته فرانكفورت في ألمانيا.
التقينا غراف (68 عاما) في الفندق وروى لنا المغامرة التي وضعه القدر فيها:
حينما أراد غراف الخروج من المستشفى بعد شهرين قضاهما فيها، فوجئ بمبلغ كبير ينتظر تسديده لدى المحاسب، ولا سبيل للخروج بدون ضمانات، فما العمل؟ وكيف سيدفع مبلغ 84 ألف درهم؟
إدارة المستشفى اكتفت بحجز جواز سفره وإيداعه لدى الشرطة التي حولته بدورها إلى المحكمة، واعتبارا من هذه اللحظة بدأ غراف رحلة جديدة مع الحياة بدون نقود في جيبه وبدون أي مساعدة من أحد.. فتوجه إلى الحدائق العامة ونام فيها وسط دهشة كل من حوله، وربما بادر البعض من جنسيات أخرى إلى تأمين وجبة طعام أو تقديم الشاي وبعض المأكولات الخفيفة له، وخلافا لما تقوم به الحكومات الغربية تجاه مواطنيها عندما يقعون في ورطات كهذه، رأت السفارة الألمانية في الإمارات أن غراف يتحمل وحده مسؤولية ما حصل له بخروجه من بلاده قبل أن ينجز بوليصة تأمين دولية كما يتم عادة في كل أوروبا.. «لم يساعدني أحد من سفارتي» يقولها غراف بأسف شديد، ويمضي في حديثه:
«كنت أتمنى أن يأخذوا الأمر على محمل الجد.. معظم دول العالم تساعد رعاياها عندما يقعون في ضائقة كهذه، القدر خبأ لي هذه الأزمة ولست من ابتدعها، وأمام المرض والإعاقة يجب أن يبادر الناس إلى مساعدة بعضهم البعض.. لا شك أن هناك أشخاصا حميمين قد بادروا إلى مساعدتي ومد يد العون لي ابتداء بمن قدم لي القهوة والشاي والطعام وانتهاء بصاحب فندق «ماجستيك» الذي أقدر له كثيرا ما فعله والذي احتضنني ليقدم لي إقامة مجانية ووجبات طعام مفتوحة إلى أن تنتهي مشكلتي و يتاح لي العودة إلى ألمانيا من جديد».
وحينما ضاقت به الحياة انتقل للنوم على شاطئ عجمان في ردة فعل على ما حدث معه وربما كي يلفت نظر الرأي العام إلى مشكلته ومحاولة مساعدته في تحديه لمسؤولي السفارة، فالوضع قد يطول وأعماله ستتوقف ولا يوجد معين له لأن عائلته قد لا تستطيع تأمين المبلغ من ألمانيا، يقول غراف:
«لدي تأمين صحي ولدي العديد من بطاقات الضمان المالي ولكنها لم تكن صالحة هنا، وتعهدت للمستشفى بأن أرسل لهم المبلغ فور وصولي إلى ألمانيا واقتراضي من البنك، إلا أنهم لم يصدقوني، ولكن أخيرا تبرع أحد مواطني الألمان بدفع المبلغ عني، وأنا في انتظار أن تجري التسوية القانونية لوضعي لأنني أشعر أن الحياة التي كنت سأفقدها عادت إلي ويجب أن استثمرها على أكمل وجه وقد تعلمت دروسا كثيرة مما حصل».
لم يصب غراف شهرة في حياته وهو لا يسعى إلى حياة النجوم لأن الحياة في رأيه جميلة بدون توابل، وهو يعتقد أن الكثيرين قد لا يصدقون قصته ولكن ما حدث معه هو الحقيقة على الرغم من كل الغموض والتساؤلات حول البساطة التي يعالج بها غراف مشكلته البسيطة عمليا.
«ماذا بعد الخطوة التالية، و ما لذي سيحصل لي لاحقا» يتساءل غراف.. يبدو أن هناك رغبة حقيقية من قبله لأن يعود إلى فرانكفورت في ألمانيا كي يروي للناس هناك ما حصل معه وكيف تحول إلى شخص آخر بعد أن كاد يفقد الحياة، وحتى ذلك الحين ها هو يقضي معظم وقته مرتاحا من عناء المرحلة السابقة التي مر بها على سريره في الفندق يرد على اتصالات هاتفية وعلى فاكسات ترده تباعا من أشخاص مجهولين يسألون عن كيفية مساعدته وهو يرد عليهم شاكرا ينتظر العودة السريعة إلى عائلته.
دبي ـ جمال آدم
