نجح عالم مصري ضمن برنامج علمي تابع لوزارة الدفاع الأميركية »البنتاغون«، ووكالة الفضاء الأميركية »ناسا«، في استنباط نباتات مهندسة وراثياً، قادرة على اكتشاف الألغام عبر جينات قادرة على الإحساس بمادة (TNT) المستخدمة في الألغام ،وهو ما يعد فتحاً لإنهاء مشكلة طالما عانت منها مناطق جمة من العالم، وخاصة في البلدان العربية التي شهدت العديد من الحروب الإقليمية والعالمية في العصر الحديث.
العالم هو الدكتور طارق عبد الرؤوف، أستاذ الكيمياء الحيوية في معهد الهندسة الوراثية في جامعة المنوفية، وعضو الفريق البحثي التابع لجامعة فلوريدا، والذي يقول إن الاهتمام بقضية الألغام ليس وليد اليوم ولكنه يشغل اهتمام كثير من دول العلم، إذ ان هذا الشيطان الأرضي يؤدي إلي خسائر بشرية واقتصادية فادحة ويعرقل مختلف أوجه التنمية، في ظل عدم توافر الخرائط اللازمة لإزالته، كما حدث في مصر والجزائر وليبيا خلال الحرب العالمية، وحالياً في العراق ولبنان والصومال والسودان وغيرها من مناطق الصراع.
وأشار إلى أن الحاجة إلى سبل غير تقليدية في كشف الألغام، كانت الدافع وراء تطوير نباتات مهندسة وراثية تتمتع بقدرة مرتفعة على الشعور بوجود أجسام غريبة، وهو ما نريد ترجمته إلى معان ووسائل محسوسة، نستطيع معرفتها بسهولة. وبعد جهد وتفكير عميقين توصلنا إلى إمكان التحكم في جينات النباتات ليصبح لديها القدرة على الإحساس بوجود مادة الـ(TNT)، وهي المادة الأساسية المكونة للألغام الأرضية.
وأوضح الباحث أن فريقه نجح في اكتشاف نوع من البكتريا النباتية، متواجدة بوفرة في التربة الزراعية، ولديها القدرة على الإحساس بهرمون نباتي يطلق عليه »الإسيتتوسرنجوم«، وهذا الهرمون النباتي له خاصية متميزة لأنه لا تفرزه سوى النباتات المصابة، وعند تساقطه على التربة تشعر به هذه البكتريا مما يحفزها لمهاجمة النبات، وكانت هذه هي الفكرة الرئيسية للبحث.
وقال إن فريقه توصل إلى معلومة في غاية الأهمية مفادها تشابه التركيب الكيمائي لهذا الهرمون، مع التركيب الكيمائي لمادة الـ(TNT) »وهو ما دفعنا إلى التفكير في أن هناك جينات يمكن من خلالها الإحساس بهذا الهرمون، ومن هذا المنطلق اتجه تفكيرنا إلى فصل وتعديل الجينات البكترية ونقلها إلى الخلية للتعرف على مادة الـ (TNT) قريبة الشبه بالهرمون النباتي الذي تم اكتشافه.
ونجحنا بالفعل في نقل الجينات البكترية بعد تعديلها إلى الخلية النباتية، وعند القيام بزراعة تلك الخلايا في وسائط تحتوي على مادة الـ( TNT) أعطت تلك الخلية إشارة جينية تعبر عن إحساسها بوجود تلك المادة شديدة الانفجار«.
وعن مشاركته في هذا المشروع الضخم، قال »بعد حصولي على درجة الدكتوراة في الولايات المتحدة وعودتي لجامعة المنوفية، تلقيت في عام 2002 دعوة من البروفيسور الأميركي وليام جيرلي المشرف على رسالتي للدكتوراة يعرض عليّ الاشتراك في مشروع بحثي عملاق يجري في الولايات المتحدة الأميركية وتشارك فيه جامعة فلوريدا ضمن فريق بحثي كبير، يضم فرق بحثية من خمس جامعات أميركية، مؤكداً على أن ذلك المشروع يحظي باهتمام كبير من المؤسسات العسكرية الأميركية، وعلى رأسها وزارة الدفاع ووكالة الفضاء وأنه قد تم رصد ثلاثة مليارات دولار سنوياً للإنفاق على هذا المشروع البحثي ولم أتردد في قبول هذا العرض«.
وأشار إلى أن عينات البحث والدراسة تمت بأكملها على نوع من النبات البحثي يسمي »أريس دوبسيس«، وتم الكشف عن الخريطة الجينية الكاملة للنبات الذي وجد أنه يتميز بنموه السريع في فترة وجيزة للغاية (من أسبوع إلى عشرة أيام)، كما يتميز بجذوره الطويلة فضلاً عن تحمله للظروف الصحراوية القاسية، وعدم احتياجه للماء، إذ يمكنه النمو على قطرات الندى والأمطار، ويتحمل الجفاف ودرجات الحرارة العالية والمنخفضة على السواء.
وعن كيفية زراعة حقول الألغام بهذه النباتات، يقول الباحث المصري، إن ذلك سيتم من خلال نثر البذور بالطائرات على نطاق واسع في المناطق المرجح وجود الألغام فيها، ثم يتم رصد تغير لون النباتات بالأقمار الصناعية أو الطائرات وتحديد مناطق تواجد الألغام بدقة متناهية تمهيداً للتعامل معها.
وعن الاهتمام المفاجئ بهذه القضية من قبل الولايات المتحدة الأميركية، وبخاصة أنها قضية قديمة وليس بالأمر المستجد يؤكد عبد الرؤوف، أن ذلك يرجع إلى معاناة القوات الأميركية من مخاطر الألغام المزروعة في أفغانستان بواسطة جماعة »طالبان«، وكذلك في العراق والتي تسببت في تكبيد القوات الأميركية خسائر فادحة في المعدات والأفراد بصفة يومية.
وعما إذا كانت الدول العربية يمكنها الاستفادة من تلك الأبحاث التي توصل إليها، ولاسيما أن دولة مثل مصر بها أكثر من 23 مليون لغم بالصحراء الغربية، قال »كي يتم الاستفادة من هذه الأبحاث لابد من توقيع اتفاقيات مع الولايات المتحدة للاستفادة من هذا المشروع لوجود حقوق الملكية الفكرية«.
القاهرة - سباعي إبراهيم