سيكون الأب عبدالله أبو سالم أسعد رجل في العالم لو تمكن من أن يجمع أبناءه وبناته التسعة في معرض فني واحد، فهو ينتظر هذا اليوم الذي يرى فيه هؤلاء الشباب وقد اكتملت عدّتهم الفنية وتجاوزوا ما يمكن لهم أن يتجاوزوه من إرهاصات البدايات لتقف أقدامهم على أرضية الفن والرسم، وهذا التمني ليس بعيداً على رجل وجد نفسه فجأة يقف في المعارض وينوب عن أولاده وبناته في تقديم الصورة الجميلة عن هذه الهوايات ودوره الأبوي في التشجيع وتوفير المواد اللازمة لهم، مع إنه لم يكن في يوم من الأيام يعشق الفن ولا الفنانين؟
في دار الندوة بالبستكية يقام حالياً معرض تشكيلي لأخوة قطريين هم من أبناء القطري أبو سالم؛ يعرضون عدداً من الرسومات المنفذة بالزيت والباستيل ويجسدون معاً أفكاراً متقاربة في رسم البيئة الخليجية وتراثها القائم على الصحراء والبحر.
ثلاثة أخوة تركوا وراءهم ستة آخرين وجاؤوا إلى دبي ليتواصلوا مع الآخرين، وأبٌ يقف في المعرض كعلامة فارقة بين اللوحات؛ فالرجل سعيد كما يبدو بذريته التي شبّت عن طوق الوصايا وتلمست طريقها إلى النجاح والشهرة؛ لكن المفارقة أن (أبو سالم) لم يكن في يوم من الأيام يعشق الفن ولا هواية له فيها، فقد تخرج من جامعة قطر «اللغة العربية» ومنذ 29 عاماً يعمل في المحاكم الشرعية القطرية، غير أنه وجد في أبنائه التسعة ما فقده من اهتمامات ربما كانت ثانوية له، لكنه يجدها الآن غير ذلك.
يقول أبو سالم: أسرتي خمس بنات وأربعة بنين واختصاصاتهم علمية، لكنهم جميعاً يهوون فن الرسم وعلى مستويات مختلفة حتى يمكن القول إنهم برعوا فيه إلى حد ما بشهادة الآخرين لاسيما داخل قطر، ف«سالم» حاز على جائزة أولى في المسابقة الفنية للكبار عام 2006 ونفس الجائزة حصل عليها عام 2002 في مسابقة فنية للشباب كما حاز على الجائزة الثالثة عام 1998 من بين 139 فناناً وحازت ابنتي «نجلاء» على الجائزة الأولى في مسابقة الرسم بالكومبيوتر عام 1992، أما أبنائي «باسم» و «نوال» و «دلال» فقد حازوا على جوائز قيمة وحصل الآخرون من أخوتهم على جوائز مختلفة وكلها في المراتب المتقدمة.
* وما هو دورك كأب في تنمية مواهب هؤلاء الأخوة؟
ـ أوفر لهم كل ما يحتاجونه من مواد وألوان وأقمشة وأطُر خشبية وجو نفسي يساعدهم على الإبداع ولن أقصر في حقهم فهم أبنائي في نهاية المطاف..
* وكيف وجدت فيهم هذا الاهتمام الجماعي؟
ـ تحصيلاتهم الدراسية ليست لها علاقة بفن الرسم فسالم طالب دراسات عليا في المحاسبة القانونية ونجلاء بكالوريوس كيمياء ونوال بكالوريوس حاسب آلي واختصاصات البقية بعيدة عن الرسم والفن، لكنْ جميعهم تفتقت فيهم موهبة الرسم والفن وتوجهوا إليه بشكل تدريجي، منهم من يمكن القول إنه وصل إلى منطقة جيدة من التجربة والآخرون يتقدمون بدرجات متفاوتة، وأنا معهم إلى آخر الشوط..
* وهل تتدخل في عملهم؟
ـ لا أبداً فأنا لا أمتلك الخلفية الكافية لمعرفة أسرار وتفصيلات الرسم.
* كيف رأيت تجاوب المجتمع معهم؟
ـ بصراحة اكتشفتُ مواهب أبنائي عن طريق الآخرين وعن طريق الفنانين بالدرجة الأولى، فهؤلاء لديهم حس فني مضمون وقد شجعوهم منذ البداية ورأوا في أعمالهم بذرة جيدة لمواهب يمكن أن تتطور إلى الأفضل والأكمل وقد أقاموا لحد الآن معرضين في قطر والثالث في دبي وألاحظ اهتمامات الآخرين بما يقدمه نجلاء ونوال وسالم..
* كيف تخطّت بناتك حاجز المجتمع؟
ـ المجتمع يشجع الحسن من الأعمال وقد قيل أن الله تعالي جميلٌ ويحب الجمال، والجمال موجود في الصوت والشعر والرسم، وكل ما هو جميل يقرّب الناس إليه، والمجتمع ليس مغلقاً كثيراً على الفن التشكيلي، الرسم متاح ويجد التشجيع الكافي من المسؤولين وهنا لابد وأن أذكر أنه قد شرّفنا باقتناء بعض اللوحات أصحاب السمو أمير دولة قطر وحَرَمُهُ وبعض حكّام دولة الإمارات ووجهاء الدولتين والجهات الرسمية المختلفة.
* وأنت كيف تنظر إلى أعمال أولادك وبناتك؟
ـ رسوماتهم من الواقع ومن البيئة الخليجية، وهذا النوع التعبيري يلاقي إقبالاً من المجتمع، وأنا شخصياً أميل إلى النوع التعبيري ولا أميل إلى الرسم التجريدي فهذا الأخير يرتاده قلّة من الناس.
* نلاحظ هناك مَيْلاً لرسم الخط العربي في بعض اللوحات.
ـ بناتي حافظات للقرآن وهذه اللوحات الخطية لهنّ.
* كيف تنظر إلى الموهبة بشكل عام؟
ـ هبة من الله سبحانه وتعالى.
* عندما تنظر إلى اللوحة ماذا ترى؟
ـ هي نوع من العبادة.. وأنت أمام اللوحة لا تشعر بهمومك!
* ماذا تتمنى لأولادك وبناتك؟
ـ أن يخدموا المجتمع بعيداً عن التفكير بالمادة.
الحاج عبدالله أبو سالم في آخر المطاف يرى أن مواهب أبنائه لا تزال تتشكل وتتطور وتنضج مع التجربة والملاحظات، وكأنه بحس أبوي سعيد يرى أنه لم يكتشف مواهب أبنائه وبناته بعد.
دبي ـ وارد بدر السالم
