هل يمكن للعام 2007 أن يشكل فاتحة أمل لمسيرة اللؤلؤ الطبيعي عله يستعيد في القرن الحادي والعشرين الحالي، المكانة التاريخية التي حظي بها خلال القرن الماضي، والتي امتدت من أوائل الثلاثينات وحتى الدخول في الحقبة النفطية حين كان يطلق على سواحل الخليج اسم «ساحل اللؤلؤ»؟

تبدو الإجابة عن هذا السؤال بـ «نعم» ضربا من الخيال أو الأوهام لمن لا يزال يتذكر تاريخ ظهور هذه الجوهرة التي قام عليها اقتصاد «الإمارات المتصالحة» وتجارتها التي كانت تشكل يوما ما نسبته 95 % من إجمالي الدخل القومي للإمارات، لاسيما إذا ما حاول المقارنة بين الأمس واليوم، ولكن هذا السؤال احتلني وأنا أراجع التفاصيل التي واكبت «مهرجان اللؤلؤ» الذي ودعت به العاصمة أبوظبي العام 2006 واستقبلت به العام 2007، وكذلك حين كانت الزميلة داليا نجار تحدثني عن متحف اللؤلؤ الذي يحتل حيزا لا بأس به من الطبقة الخامسة عشرة في المبنى الرئيسي لبنك دبي الوطني القائم عند الخور، الوسط الاقتصادي والتجاري التاريخي لمدينة دبي.

في طريقنا إليه، رسمت للمتحف صورة سرعان ما تبينت أنها مختلفة تماما عما كانه.. فهو لم يكن في الواقع معرضا للمجوهرات المرصعة بمختلف أنواع وأحجام وألوان اللؤلؤ الطبيعي التي يتم الاحتفاظ بها في المصرف لقيمتها المادية أو لحمايتها، بل كان متحفا علميا، تاريخيا وتراثيا، شاءه الرجل التاريخي المرحوم سلطان بن علي العويس، الذي صودفت الذكرى السابعة لوفاته يناير الماضي، نواة قابلة للنمو والتطور تعتز بها دبي والإمارات على مر التاريخ. وهذا ما أدركناه حين اشترطت علينا مسؤولة متحف اللؤلؤ في بنك دبي الوطني ناتالي صفير أن تسبق جولتنا بين منصات المتحف وواجهاته، مشاهدة فيلم وثائقي تم إعداده وتقديمه مع افتتاح المتحف في مايو 2003 على هامش احتفالات بنك دبي الوطني بالذكرى الأربعين لتأسيسه، وهو يروي تاريخ صيد اللؤلؤ والمكانة الاقتصادية والتجارية التي كان يحتلها قبل الطفرة النفطية وظهور اللؤلؤ الياباني الاصطناعي.

متحف اللؤلؤ ... يجسد متحف اللؤلؤ نمط حياة اختفت قبل بعض الوقت وتشتمل جوانبه وخزائنه على جميع نواحي الحياة المتعلقة باللؤلؤ وصيده، ففي الفترة بين 1830 - 0091م. كان معدل دخل صناعة اللؤلؤ يقدر بحوالي 000 .750 .1 دولار سنوياً وكانت المنطقة تمتلك حوالي 1200 مركب غوص (كانت حصة دبي منها 335 مركباً) تعمل في مغاصات الأصداف خلال الموسم، ومع ازدهار تجارة اللؤلؤ أخذت دبي تنمو، بعد أن كانت قرية صيد، وما إن حل مطلع القرن العشرين حتى أصبحت ميناءً مزدهراً. وكانت التقاليد البحرية العربية تنتقل من جيل إلى آخر. وكثيراً ما كانت تُنظم في قصائد شعرية لتساعد البحارة على حفظ البيانات الخاصة بالفلك والطرق البحرية وتيارات الماء والرياح، وكان كل عمل يقوم به البحارة على المراكب مصحوباً بالغناء والتصفيق والدبكة، ويمكن القول إن مراكب الصيد كانت بمثابة أكاديمية عائمة للموسيقى، وتأخذ الدهشة الإنسان وهو يتفرج على خزائن العرض التي تمثل الحياة على المراكب، وأدوات الغوص، وكيفية إجراء الحسابات، والمقاييس والموازين وصناعة المراكب.

وتتوفر في المتحف شروحات واضحة ومبسطة لتشكل اللؤلؤة في المحارة، وهناك أشكال مختلفة تتراوح من حبيبات صغيرة دائرية إلى أشكال دائرية، ومن الأبيض الفضي إلى الزهري الشاحب والذهبي، وتفيد موجودات المتحف بأنه كانت لتجار اللآلئ لغتهم الخاصة بهم وتتمثل بحركات تتم بالأصابع المغطاة بقطعة قماش، وكانت وسيلة الاتصال هذه تستخدم بين التجار للمساومة والتجارة، كما أن معدات فرز اللآلئ، كالغرابيل والأوزان والعدسات المكبرة لفحص بريق وجودة سطح اللؤلؤة، تحتل جميعها مكانها في المتحف.

وخلال الجولة شرح لي مسؤول دائرة الاتصال في البنك وليد المصري أن مجموعة سلطان العويس ضخمة إلى درجة أنه يمكن للمرء أن يشاهد فيها أندر اللآلئ التي يمكن أن يراها في أية مجموعة لآلئ على الإطلاق، وأن إنشاء المتحف استغرق عامين من العمل الجماعي، وكان وراء المشروع عبد الله محمد صالح، العضو المنتدب لبنك دبي الوطني منذ عام 1981.

ويعتبر المتحف تكريماً للمرحومين علي بن عبد الله العويس وابنه سلطان بن علي العويس. فالأب الذي كان تاجر لؤلؤ هو الذي ابتدأ بجمع المجموعة، لكن لم يكتب له أن يعيش حتى يرى حلمه يتحقق، فيما يعود الفضل في تحويل الحلم إلى حقيقة لابنه سلطان بن علي العويس الذي كان أول رئيس لمجلس إدارة بنك دبي الوطني عام 1963، والذي تزامن تعيينه مع الازدهار النفطي وحقبة النمو حين تمكن البنك من أن يلعب دورا حيويا في حركة النهوض بدبي، وذلك بفضل قيادته التي تميزت بالقوة وصدق العزيمة.

وبقدر ما كان سلطان العويس شاعرا مرهف الحس، كان أيضاً مستثمراً ناجحاً يحترمه الجميع، وعندما حانت منيته في 4 يناير 2000، كان قد اشتهر بأنه يمتلك إحدى أكبر مجموعات اللآلئ في العالم، والتي اختار إهداءها لشعب الخليج على أن تبقى أمانة لدى بنك دبي الوطني، وها هي أمنيته بأن يرى الناس في اللآليء دائما، أصول دولة الإمارات وكيف كانت الحياة قبل اكتشاف النفط، تتحقق، ليبقى الهدف الرئيسي للمتحف هدفا علميا وتاريخيا يتمثل بالمساعدة في المحافظة على التاريخ الزاهي لغواصي اللؤلؤ وتجاره وإحياء هذا التراث الخالد.

دبي ـ غسان الحبال