يشكل مهرجان دبي فرصة طيبة لإحياء مظاهر التراث القديمة وتعريف الزوار بها. وهذا ما تقوم به دائرة السياحة والتسويق التجاري من خلال فعالياتها التراثية المتنوعة التي تقيمها في قريتي التراث والغوص بمنطقة الشندغة وسط إقبال جماهيري كبير. ومن هذه المظاهر التي حرصت الدائرة على تعريف الزوار بها رحلات الغوص وما كان يتزامن بها من مظاهر الدهشة والقفال والتي يتعرف الناس خلالها على أهم التجهيزات والترتيبات التي كان يتم اتخاذها لدخول البحارة والغواصين إلى البحر في رحلات تمتد لثلاثة أشهر بحثاً عن اللؤلؤ،
وكذلك رحلة وموكب العودة بعد غياب طويل اتسم بكثير من أوجه الصعاب والمشقة كان خلالها يقوم النهام بدور المخفف من هذه الآلام بأناشيده وأهازيجه التي كان يرددها البحارة.ولم يكن الغواصون يستخدمون معدات سوى التي يصنعونها بأيديهم من حبال وسلة صغيرة وملاقط توضع على الأنف. وكان البعض يستخدم نظارات كبيرة واقية للعينين.
هذه الرحلة التي كانت تمتد مدتها لأشهر بحثاً عن اللؤلؤ في قاع البحر كانت فيها مخاطرة بالحياة وتعكس موروثاً تركه لنا الأجداد وسطر بأحرف من نور مشواراً للعطاء ويعكس أروع صور التناغم بين هذا الرعيل الأول والبيئة وضرب أعظم الأمثلة في الصبر والجلد وترويض الصعاب ومواجهة الأهوال وشظف العيش.
حينما كان يحين وقت الرحلة كانت هناك استعدادات كبيرة يطلق عليها الدشة، حيث كانت النساء تخرج بصحبة الأزواج والأبناء لتوديعهم وهن محملات بكل احتياجاتهم من الغذاء والشرب الذي يكفيهم مدة الرحلة ويحمسونهم ويشجعونهم على تحمل هذه الصعاب في البحر، كما يستقبلنهم عند العودة بمختلف المظاهر.
وخلال الرحلة يبث النهام فيهم روح الحماس من خلال ترديده الأغاني والأهازيج على ظهر السفينة لإضفاء جو من المرح على البحارة ولزيادة نشاطهم وتشجيعهم على العمل في جميع مراحل رحلة الغوص من البداية إلى أن يعود الجميع إلى منازلهم من الرحلة ويعمل كل ذلك على طرد الملل والسأم عنهم من جانب وتشجيعهم على بذل المزيد من الجهد من جانب آخر.
وقبل حلول يوم الرجوع بأسبوع تقريباً تبدأ سفن الغوص وقد طال المقام ببحارتها بالتوجه صوب المناطق القريبة من سفينة السردال (قائد الغوص الأعلى) ثم تلتف حوله بانتظار ساعة الصفر التي يحدده ذلك السردال. وما أن يحين صباح ذلك اليوم المعين للعودة (القفال) حتى يطلق السردال طلقة مدفعية من سفينته ثم يرفع العلم فوقها إيذاناً بانتهاء الموسم.
وكان ليوم القفال بهجة خاصة سواء في الوطن لدى الأهل والأقارب أو بين البحارة في عرض البحر، ويكون الاحتفال في الوطن بقرب هذا اليوم كبيراً وله تقاليده وألعابه وأغانيه الخاصة به. فقبل عودة البحارة من البحر وانتهاء موسمهم بنحو 10 أيام تستعد النساء اللاتي يعشن على أعصابهن طوال فترة الغوص لاستقبال البحارة، فتستعد كل منهن بثياب جديدة وتهيئ وسائل الزينة كالحنة والعطور والذهب في انتظار البحارة.
قرية الغوص ـ وجيه عبدالعاطي:

