في البداية ترددت أن أذهب لمشاهدة عرض سيرك دوسوليه رغم كل الدعايات التي سبقت مجيئه إلى دبي، ليس لعدم اكتراث به ولكن لأن اليوم كان يوم جمعة وكنت أفضل ان اقضيه راحة من زحام الطريق الذي يستنزفني جهدا ووقتا كل يوم بين الشارقة ودبي، فما بالك وعروض هذا السيرك يتم تقديمها في ساحة مركز ابن بطوطة وما أدراك بزحام الطريق بدءاً من وقت العصر إلى ما بعد آذان العشاء في الاتجاه من الشارقة إلى دبي،
لكن شيئا ما كان بداخلي يدفعني للذهاب إلى السيرك لإسعاد طفلتي بعروض الأكروبات الجميلة والشيقة التي طالما نشاهدها في التليفزيون خاصة من بنات الصين، ففيها متعة وإثارة غالبا ما تفرح الأطفال فضلا عن اندهاشنا ككبار من هذه الإمكانيات التي يتمتع بها الاستعراضيون من صغار السن وحتى متوسطيهم. وبالفعل قررت تلبية الدعوة الإعلامية التي كان محددا لها هذا اليوم فقط، وذهبت وهذا المفهوم المسبق في خيالي، لكن مهرجان دبي للتسوق فاجأني مثلما فاجأ من شاهدوا فرقة «دوسوليه» القادمة من كندا بعارضيها الذين ينتمون لجنسيات عديدة.
نحو ساعتين ونصف مرت بسرعة غيرت الكثير من مفاهيم التقليدية عن السيرك العالمي كواحد من أشكال الفنون.. ذهبت بتصورات الماضي عن ألعاب وحركات هذا اللهو الجميل من الفنون لأجد نفسي أمام شئ مختلف تماما.. هذا الاختلاف نابع أولا من اختلاف الثقافة وثانيا من الإمكانيات الرائعة والمبهرة للاستعراضيين، فقد كانت فقرات «دوسوليه» عبارة عن لوحات تعبيرية تحمل في جوانبها الكثير من الرموز التي تحكي حكايات متنوعة وبداخلها ألعاب السيرك المعتادة.
كثير من الرقصات التعبيرية الجماعية على أرض المسرح فيما يؤدي لاعبون آخرون حركاتهم فوق المسرح فيما تتواجد خلفيات بشرية على جوانب هذا المسرح المزود بأحدث التقنيات بالإضافة إلى الموسيقى الحية والمؤثرات الصوتية مما جعل العمل أقرب إلى جو الدراما التي تميز المسرح التجريبي منه إلى السيرك بالمفاهيم التقليدية.
أستطيع ان اتخيل المجهود الخارق للاعبين الذي تميز بصفات كثيرة مثل اللياقة البدنية العالية والمرونة والقدرة الغربية في التعامل مع الجسد. وان كان هذا الأمر ليس بالشئ الغريب على الثقافات الغربية، فنحن نعلم ان هناك الكثير من المدارس والاتجاهات الفنية التي تعتبر جسد الممثل هو الوسيلة الأولى للتعبير وليس الكلمة.
وداخل هذه اللوحات التعبيرية الجميلة نجد المشاهد التقليدية للمهرج الذي أمتعنا كثيرا بخفة ظله وحركاته السريعة المتقنة خاصة عندما يستعين بالجمهور لمشاركته في تقديم فقراته، وفي إحداها يقدم لنا فقرة المخرج الذي يدرب ممثليه على أداء مشهد سينمائي. وكانت استجابة الجمهور معه طيبة ورائعة مما أضاف للمشهد نكهة كوميدية تلقائية جميلة صفق لها الجمهور طويلا.
لا نستطيع أيضا ان نغفل حق المشاهد والفقرات التي أظهرت طاقة غريبة وعجيبة للاعبين لا يمكن تخيلها إلا بمشاهدتها لأنها تظهر طاقة روحية وليست جسدية فقط.. لا يمكن ان نتجاهل هذا الكم الرائع من الإبهار الذي شاهدناه سواء على مستوى المكان أو الإمكانيات، فالمكان عبارة عن خيمة ضخمة مجهزة بكافة الأمور التي نستطيع من خلالها القول إننا نجلس داخل مبنى السيرك الكندي نفسه.
جزء من المسرح دائري وجز آخر ثابت .. من أعلى ينزل الاستعراضيون ويؤدون حركاتهم بسهولة وجمال، بل في الوقت نفسه نجد مسرحا معلقا ومشاهد كثيرة معلقة مما يجعلنا نتصور ان جزءا من المسرح معلق والأخر ثابت على خشبة المسرح مما يزيد من حجم الإبهار والمتعة في هذا العمل كما أضافت الموسيقى الحية المتواجدة في الخلفية جوا من السحر والخيال على بعض المشاهد.
ومن الأمور المهمة اللافتة للنظر هذا الكم الهائل من اللاعبين وهذا الإتقان العجيب للحركات الجماعية التي أظهرت سيطرة المدربين الكاملة عليهم. فمن المعروف ان أصعب المشاهد دائما في الأعمال المسرحية هي المشاهد الجماعية التي تتطلب مجهودا كبيرا من فريق العمل ولكنها في السيرك الكندي كانت أمتع المشاهد وأروعها على الإطلاق.
ان المشاهدة المختلفة والرائعة التي اطلعنا عليها سيرك دوسوليه هي عبارة عن مفهوم آخر في الثقافة الغربية عن ثقافتنا المتعلقة بهذا النوع من الفنون، فنحن ما زلنا نتبع المدارس الفنية التقليدية في تقديم مثل هذه الأعمال خلافا للغرب الذي طور وجدد الكثير من المفاهيم في فن الحركة وفن الأداء حتى ظهر العمل بهذه الكيفية المبهرة والممتعة في الوقت نفسي وجعلته ليس مجرد سيرك أكروباتي مبهر ولكن عمل فني درامي متكامل.. لكل عنصر فيه دلالة ومعنى، فأضاف إلى الإبهار المتعة كما نجد ذلك في أى عمل فني راق.
دبي ـ وجيه عبدالعاطي:


