«أبو حالوب» أشهر اسم مستعار لرجل لا يريد أن يكون غامضاً تماماً؛ فهو من الوضوح والشفافية ما يجعل المرء مطمئناً إلى ذاكرته ونواياه في تقديم العون المجاني والمشورة السريعة في البحث عن الآخرين القادمين من أصقاع العالم ومن منافيه العريضة. ولم يكن أبو حالوب إلا واسطة وبريداً ثابتاً لمن تاهت عليه سبل الاتصال بمن يبحث عنهم في دمشق؛ لاسيما من العراقيين الذين هجروا الوطن في أوقات متفرقة من القرن الماضي والذين عرفوا طريق الهجرة الجديدة نتيجة الأوضاع الأمنية السيئة التي ألمّت بالعراق بعد الاحتلال.

أبو حالوب دائماً هو الحل. سفير النوايا الحسنة. بوصلة الجميع. محطة المهاجرين القدامى الذين أنهكهم النظام السابق بشروطه المتعسفة ومحطة جديدة للهاربين من القتال الطائفي والقصف الأميركي. يعرف القاصي والداني. يعرف مَن جاء إلى دمشق ومَن غادرها ومَن مكث فيها. ومَن سيأتي إليها بعد أيام قليلة.

والقادمون من العراق يحطون رحالهم في مقهى الروضة في منطقة الصالحية بحثاً عن هذا (البريد) الأمين: أبو حالوب، فلديهم وصايا أن يحطوا على مائدته؛ فالرجل لديه خريطة شاملة ووافية عن القادمين والذاهبين من الأدباء والصحافيين والمتأدبين والسياسيين والمعارضين والراكبين في عجلات أية حكومة جديدة!

وله معرفة بالمواقيت والتوقيتات التي يطل منها الآخرون الباحثون عن ذويهم ومعارفهم: «استقبلُ القادمين من بغداد وهم يبحثون عن أبنائهم وأصدقائهم المهاجرين وأدلّهم على أمكنة إقاماتهم، وأستقبل المهاجرين من كل أنحاء العالم وأغلبهم من الأدباء والصحافيين وأكون دليلاً لمن يسأل عنهم».

يصر أبو حالوب على أنه لا ينوي زيارة العراق مهما كانت الأسباب رغم ابتعاده القسري عنه كل هذه السنوات: «العراق حلمي الكبير ولكني لا أتوقع قيام دولة عراقية حقيقية إلى مئات السنوات! العراق ثابت عندي إلى حد عام 1975؛ كنت سابقاً أتسقط الأخبار من العائدين من الوطن وما زلت حتى الآن أتسقطها منهم بعد الهجرة الكبيرة التي يقوم بها العراقيون إلى سوريا.. العراق انتهى».

علاقته بالزمن ثابتة لا تتحرك: «علاقتي بالمقهى علاقة دوام يومي لا يتغير منذ أكثر من ربع قرن فمنذ التاسعة صباحاً أكون حاضراً وحتى العاشرة مساءً، ولا أغيب عنها إلا لوجبة غداء سريعة» الزمن يتحرك وهو ثابت في مكانه، الآخرون يتحركون في دوّامة الحياة.

وهو النابت كشجرة منسية في هذا المقهى القديم؛ حتى تحول المكان إلى زمن ثقيل يدبُّ بين طيات مقهى الروضة الذي آواهُ منذ أكثر من ثلاثين عاماً ولا يزال يفرد له مكاناً يطل على الداخل والخارج كعين مفتوحة تستوعب الجميع مرة واحدة: «اخترتُ مكاناً مواجهاً للباب الرئيسي لأرى الجميع ولا يفوتني أي وجه يمكن أن أقدّم له خدمة عاجلة؛ ويحصل دائماً أن يسأل عني مَن لا يعرفني ليستفسر عن أخ مهاجر أو صديق غائب أو أسرة هاربة من العراق».

تعرف أبو حالوب على صعوبات اللقاءات الحميمة بين المغتربين، وشهد مفاجآت لا تحصى بين الغائبين وذويهم الذين افتقدوهم عقوداً طويلة من الزمن؛ وفي الأحوال كلها كان واحة للأمان وبريداً أميناً يُثَق به وواسطة خير للجميع: «الشعراء والأدباء الذين هربوا في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي أغلبهم فقدوا الصلات بأسرهم في بغداد والمحافظات، ومَن تسنح له الفرصة، من الطرفين، لزيارة دمشق يقصدني فأكون الوسيط والواسطة لحمل الرسائل أو الهدايا أو الأموال، والحمد لله صرتُ مصدر ثقة للجميع».

الليلُ والنهار بالنسبة له أوقات تأتي وتمضي دون أن تحرّضه على أن يستنهض أعوامه الطويلة ويعوّض ما فاته من حرمان طويل واغتراب طالَ واستطال به في منفى اختاره ليكون جسراً بينه وبين الآخرين من ذويه ومواطنيه وأصدقائه ومعارفه.

يقول أبو حالوب: «أتمتع بحاسة خاصة جداً، فقد أتوقع الشخص قبل مجيئه، ودائماً أكون حامل البشرى للآخرين، ولا تستغرب أنني حددت نفسي بمواقيت تحتاج إلى صبر كبير وقدرة على الثبات في مكان واحد طيلة ثلاثين سنة»!

بسبب مكوثه ألأبدي في دمشق فهو يعرف كل زاوية في المدينة وكل مركز حكومي وأهلي وكل شاردة وواردة، ولا يغيب عنه أي شيء مهما صغُر، وبذلك فهو أفضل دليل للسفارات ومكاتب الحجوزات والمحطات ومعرفة الأسعار ونوعية البضاعة وأصالتها ومناشئها، وهو عموماً دائرة هجرة متكاملة للعراقيين.

لبيد رشيد: هذا هو اسمه الحقيقي الذي لا يعرفه الكثيرون، لكنه عاش خلف اسمه المستعار «أبو حالوب» أكثر من ربع قرن حتى شاع وترسخ وكرّسه دوامه اليومي في المقهى الذي لم يتخلف عنه ولا مرة واحدة طيلة السنوات الماضية، ولمن لا يعرف لبيد رشيد نقول إنه ابن الراحل (رشيد بكتاش) راوية الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري الذي كتب ذات يوم عن لبيد الصغير «أبو حالوب» أبياتاً شعرية حيّاه فيها قائلاً:

ألبيدُ عشتَ الدهرَ عمرَ لبيد

غضّ الصبا ألقاً طري العود

أهديك من شعري أعز وليدة

زفّت إليك وأنت خير وليد

ألبيدُ نحنُ الأسبقونَ معابراً

لممر جيل من ذويكَ جديد

أبو حالوب ذهب إلى موسكو قبل أكثر من ربع قرن لدراسة فن الطباعة هناك، وعندما تخرج من الجامعة السوفييتية رجع إلى دمشق لأسباب سياسية واقام فيها والى الآن، وسيكون أبو حالوب الشاهد الحي على أزمان مختلفة مرت بالعراقيين لأربعين سنة خلت من خلال رموز وشواخص أدبية وسياسية وصحافية جلست على مائدته الوحيدة في غربتها الطويلة، والتي ستشهد هي الأخرى على رجل عازب ووحيد اسمه: لبيد رشيد ارتكن إلى منفاه واقتفى منافي الآخرين الذين يزدادون يوماً بعد يوم لتتسع ذاكرته من جديد حتى يحفظ حركة آلاف المهاجرين الهاربين من جحيم العراق.

دمشق ـ وارد بدر السالم