ليس في العنوان حذلقة ولا حتى مفارقة لغوية، وليس في نيتي أن اقحم القارئ في صداع فلسفي قد لا تكون هذه الزاوية مكاناً مناسباً له، لكن هذه هي الحقيقة،... ولا مفر من الاعتراف بها.
لا أظنني أضيف جديداً حين أذكر بأن دبي تعد واحدة من أسرع المدن نمواً في العالم. كما لن أقول جديداً حين أشرح أن هذا النمو السريع يشمل كل المجالات الاجتماعية والتجارية والعمرانية والسياسية، وهو نمو يضع هذه المدينة العربية الخليجية، في عين المستقبل.
ولن أضيف معلومة غير معروفة عندما أقول إن قدر دبي أن تصبح المدينة التي تجر وراءها مدن العالم الأخرى إلى حيث يجب أن تكون مدن القرن الحادي والعشرين..
لكن الجديد في الأمر فطنت له صحافية فرنسية زارت دبي أيام المهرجان، التقيتها في القرية العالمية، وقالت لي بالحرف: «اكتشفت أن دبي تتحرك وتنمو بسرعة بسبب وقوعها تحت تأثير هاجس فلسفي» وأضافت تاركة على وجهي علامات التعجب: «ثمة بوصلة فلسفية تحدو بهذه المدينة العجيبة وبسكانها في خضم عالم غريب الأطوار».
استغربت لهذا التحليل، فما علاقة الفلسفة بتطور دبي السريع؟ ثم ما علاقة الفلسفة بمهرجان دبي للتسوق، قرأت الصحافية الزائرة حيرتني وأجابتني من دون أن تتخلى عن ابتسامتها: يا عزيزتي الأسواق موجودة في كثير من مدن وعواصم العالم، لكنني أرى أن من ينظر إلى مهرجان دبي للتسوق بأنه مجرد ظاهرة تجارية وتسويقية للسلع والمنتجات ولتحقيق الأرباح يقع في وهم كبير...
ثم زادت: التجارة وأسواقها وأرباحها نتيجة طبيعية لهذه الفلسفة، وهي تحصيل حاصل،.. غير أن المهم ـ تضيف الصحفية ـ أن وراء كل ما يجري في المدينة تكمن قوة دافعة مصدرها فكرة بسيطة وعميقة مستوحاة من روح ومزاج هذا القرن الجديد، وما نمو المدينة وتطورها وما هذا المهرجان إلا عنوان واحد من جملة عناوين تأخذنا إلى نفس النتيجة دائماً. ثم أشارت بيدها إلى لوحة كبيرة تضيئها المصابيح الملونة، تتوسط القرية العالمية!!
لم تطل حيرتي فكل شيء انكشف أمامي، واتضحت الملامح العميقة للصورة التي كانت مختبئة خلف التكرار، وانشغالات الحياة اليومية، المزدحمة بالناس ولغاتهم ولهجاتهم وثقافاتهم، نعم انكشفت الفكرة عندما أعدت قراءة شعار المهرجان:
(عالم واحد.. عائلة واحدة.. مهرجان واحد)
وقلت: يالها من فلسفة بسيطة ويا لها فكرة بالغة العمق في عالم غريب الأطوار حقاً، عالم كاره للاختلاف، والتنوع، والحوار، بدليل حروبه المستمرة، ومشكلاته المزمنة التي تفتك به. هنا في دبي ثمة درس أخلاقي وثقافي وإنساني يشطب بست كلمات على كل تراث الغضب والكراهية في هذا العالم.