لم يستطع نيكولاس سبانوس الفنان اليوناني الشهير إخفاء غضبه واستياءه الشديدين لما قال انه (تضليل) أدى به للمشاركة في فعالية لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بالفن. القصة (المحنة) بحسب ما رواها سبانوس بدأت فصولها قبل أشهر عندما اتصل به شخص يوناني يعرفه وسأله المشاركة في القرية العالمية في دبي. وقال له إنها فعالية تتمثل فيها كل دولة بجناح يحمل اسمها وتعرض فيه أهم منتجاتها التي تعرف بتاريخها وتراثها.

اقتنع سبانوس، وقام ببحث صغير على شبكة الانترنت، (لم أعثر على توصيف دقيق عن الحدث، إلا أن ما وجدت كان متطابقا مع ما اخبرني به صديقي، فوافقت وبدأت التحضير للمشاركة. كان همي أن أضع تاريخ أول ديمقراطية في العالم في متناول الزوار، حضارة عمرها 7 آلاف سنة. من لا يعرف أثينا وفلاسفتها ومحاربيها وأساطيرها؟)

(صحيح أن خمسة ملايين زائر كما يقولون يزورون القرية العالمية كل سنة لكنه برأيي لا يأتون ليتعرفوا على حضارة الدول، إما للتسلية أو التسوق والأكل والشرب. هناك أجنحة كثيرة تحمل رايات دول ولا تنم محتوياتها عن شيء من هذه الدول، كما هي الحال بجاري الجناحين الياباني والايطالي. هذه فعالية تجارية بامتياز لا مكان لفنان مثلي بها، لقد تأذى اسمي، لذلك أنا غاضب).

تكبد الفنان اليوناني عناء شحن مجموعة كبيرة من أعماله وأعمال زوجته كريستينا الفنية، من لوحات ومنحوتات رخامية وحجرية وبرونزية وقطع من الموزاييك و(الفريسكو)، بالإضافة إلى بعض القطع الفنية المعاصرة والهدايا التذكارية اليونانية.وتضرر عدد كبير من القطع التي شحنت من أثينا، في المطارات «كان هذا كابوسا بالنسبة إلي، هناك أشياء لا يمكن إصلاحها كما أنني أضع شيئا من روحي في كل قطعة فنية انجزها».

وأدى تأخر وصول البضاعة في الوقت المحدد والمتفق عليه إلى تأخر افتتاح الجناح أمام الزوار (سلمت البضاعة لنا على مراحل كل يوم صندوق أو اثنين ما زاد الطين بلة). وعن الزوار الذين يدخلون الجناح، يقول سبانوس أنهم لا يعرفون شيئا عن الفن، يبحثون عن قطع للزينة بأسعار رخيصة اعتقد أنهم اعتادوا على البضائع الرخيصة.

يسألني احدهم عن ثمن منحوتة من البرونز صغيرة الحجم، عند سماعه الثمن ينظر إلي بتعجب متسائلا عن السبب وكأن الثمن يرتبط بالحجم. افهمه بأنني لا أبيع البرونز إنما فكرة فلسفية تجلت في قطعة فنية لها معنى وقصة. قد تكون القطعة الفنية قطعة صغيرة من الورق وثمنه 5 ملايين دولار. هذا هو الفن.

معظم الذين اشتروا من القطع الفنية الموقعة باسم سبانوس أوروبيون ولبنانيون. قال الفنان إنهم لم يجادلوا حتى حول الثمن وانهمكوا في النظر إلى القطع ومعرفة الفلسفة أو الفكرة الموجودة فيها.أغلى القطع الفنية التي يعرض لوحة تشكيلية رسمتها زوجته يبلغ ثمنها نحو 25 ألف درهم ترمز إلى الحرية. يقول سبانوس حضارتنا كانت تنبض بالحكمة والفلسفة تتوق للحرية التي نعشق، لذلك تنبض أعمالي وزوجتي بهذه الروحية.

تتشابه العديد من المنحوتات الرخامية والحجرية مع قطع فنية قديمة معروفة في الحضارة الإغريقية يفوق عمر بعضها 5000 سنة تمثل الآلهة الإغريقية والحروب وقطع افسسية شهيرة. يوضح سبانوس انه نال رخصة من السلطات الرسمية في بلاده لنحتها وهذا مذكور في ورقة ترفق مع القطعة.

ومن بين المنحوتات البرونزية لورقة السرخس وهي من أول النباتات التي وجدت على الأرض تمثل الحياة نحتت وكأنها ريشة مبدع أو وجوه ناس. وتمثل منحوتة برونزية أخرى عقل الإنسان. فالعقل بالنسبة لسبانوس هو محرك الجسد لذلك هو الأهم. وتكثر المنحوتات التي تمثل الطيور المرفرفة بأجنحتها وهي ترمز إلى الحرية والانطلاق في فضاء العالم. ولفت أيضا عرض قطع لعبة الشطرنج نحتها الفنان من الرخام «هذه اللعبة لمن لا يعرف إغريقية بكل ما فيها».

لم يعد سبانوس الشكل الخارجي للجناح ولكنه وافق على الفكرة كما قال. فقد اتخذ الجناح اليوناني في القرية العالمية شكل معبد بارثنون الذي يقوم على هضبة اكروبوليس ويشرف على أثينا القديمة، بني عام 480 قبل الميلاد، وهو تذكار دائم وخالد للرجل الذي بناه، بيريكليس، أعظم الساسة في اليونان القديمة.

القرية العالمية ـ كارول ياغي