للهند تقاليد عريقة وفريدة انصهرت فيها ثقافات الشعوب الغازية على مدار القرون، وترجع الكثير من التقاليد والصناعات الحرفية والمعالم القائمة حاليا إلى عهد الأباطرة المغول وخاصة في منطقة راجستان التي تتميز بتداخل الثقافات الإنسانية على سكانها الأصليين.
ولايزال الكثير منهم يعيش الحاضر المتصل مع عراقة المكان الذي توالت عليه عشرات الحضارات وتركت بصمتها الواضحة على نمط حياة أبنائه من خلال إحياء الحرف الشعبية كحياكة القطن وصناعة الفخار، والعديد من الحرف التي مازال الآباء يحرصون على تعليمها لأبنائهم ودفعهم للمحافظة عليها لأنها جزء من وجودهم .ويختزل بازار ديلي هات، الذي يقع في مدينة دلهي وانتقل الآن إلى شارع السف، جميع الأسواق التراثية الهندية من منتجات يدوية من الأعمال الخشبية والنحاسية والأقمشة الحريرية، إضافة إلى المشغولات الصوفية والقطنية والحلي التقليدية والمجوهرات والعديد من الحرف القديمة التي مازالت حية بفضل الأسر الهندية المنتجة والحريصة على إحياء التراث وإظهاره للسياح، وقد صحبنا في الجولة المترجم سعيد حسين إبراهيم.
القطن والفخار
في أحد أركان سوق ديلي هات ضمن بازارات العالم بشارع السيف التقينا إرشاد علي من راجستان عمره تجاوز السبعين سنة لكنه مصر أنه مازال يتمتع بنشاط لحياكة أجود المنتجات القطنية ولديه زبائنه منذ عشرات السنين في قريته الصغيرة «نيربي» قرب راجستان .
يقول إرشاد: تعلمت صناعة غزل القطن وحياكته من والدي وجدي منذ كنت صغيرا وتعتبر حرفتي مصدر رزقي وحرصت على تعليمها لأبنائي الثلاثة حتى لا تضيع، وأجد متعة كبيرة وأنا أصنع من القطن الطبيعي ثياب للشتاء ومفارش وأشياء أخرى تستعملها المرأة في بيتها.
والمميز في مهنتي أنني أصنع كل شيء بمساعدة ماكينة خشبية صغيرة تحيك خيوط القطن وليس بعيدا عن دكان العجوز إرشاد، كان الشاب سونيل كوماريجلس أمام دولاب خشبي فوقه كمية من الطين المخلوط بالماء وبحركة دائرية للدولاب يشكل هيكل مزهرية وفي ثوان أصبح لديه مزهرية رشيقة تعكس حرفية عالية عند الشاب الذي لم يكمل عامه الثلاثين .
يقول: بدأت حرفة الفخار وعمري سبع سنوات، وكنت أحرص على أن أراقب والدي لساعات طويلة حتى أتشرب منه حرفة أجدادي، وعائلتي من الأسر القليلة التي مازالت تحافظ على هذا الموروث خاصة أننا مازلنا نعتمد على صناعة ألأواني الفخارية والتماثيل بالطرق القديمة جدا، لذلك تعتبر منتجاتنا ذات جودة عالية لأنها طبيعية ودقيقة التفاصيل وتبقى لفترات طويلة .
حلي الجدات
ومقابل ورشة الفخار وقفت سيدة هندية «بالي» ترتدي زيا تقليديا بلون الورود وزينت معصمها بمجموعة من الأساور بلون الفضة، وانتعلت في رجليها حذاء من الجلد الوردي مليء بإكسسوارات جميلة مشغولة بدقة، وصوت خلاخيل الفضة الخالصة يرن في حركاتها، تقول : أرتدي الزى الراجستاني القديم حيث تشتهر المرأة بأثوابها ذات الألوان الفرحة والتي تعكس طبيعتها، وتضيف:
بدأت صناعة الحلي والدمى منذ صغري في بيت والدي وأسست مع أفراد أسرتي مجموعة من المحلات لصناعة الحلي الطبيعي من أنواع خاصة من الخشب، يتم وضعه في براميل كبيرة من الماء ثم يجفف بعدها ونقوم بتقطيعه إلى أساور ومعاصم بأحجام مختلفة، وتزين المرأة بهذا النوع من الحلي وتلبسه المتزوجة فقط، ويمكن أن تضع أكثر من 20 سوارا في ذراعها خاصة في تجمعات الرقص لأنه يحدث أصواتا جميلة مع حركات الرقص .
وفي الزاوية الأخرى من السوق القديم تجذبك لوحات تشكيلية لرسوم غريبة لملوك يلبسون الزي الهندي القديم، ومجموعة من الفيلة المكسوة بقماش مزكش وقوافل من الجواري والعبيد ورسوم لقصور ضخمة تبدو اللوحات من عالم الخيال وشبيهة بعالم ألف ليلة وليلة.
وفي ركن الدكان يجلس الشاب «طبرجول» على ركبه ويضع على رأسه عمامة حمراء يزيد طولها على مترين، يرسم لوحة جديدة بألوان مائية، يقول يسمى هذا الفن في الهند بالرسم القديم وهو يحكي قصص وبطولات إمبراطورية المغول، التي حكمت راجستان من ألاف السنين ودام سلطانها نحو ثلاثة قرون منذ أن أسسها ظهير الدين بابر في النصف الأول من القرن العاشر هجري.
وتوالى على حكمها عدد من السلاطين يأتي في مقدمتهم جلال الدين أكبر الذي نهض بالدولة ونجح في تنظيمها وجاء بعده السلطان شاه جان الذي اشتهر ببنائه لمقبرة «تاج محل» لزوجته ممتاز محل التي تعد من الروائع الفن المعماري في العالم ومن عجائب الدنيا السبع .
يقول طبرجول: تعلمت حرفة الرسم القديم من جدي لوالدي الذي كان مشهورا برسم لوحات لأبطال وفرسان راجستان، والرسم القديم يؤرخ لتاريخ للهند ويعكس أقوى فتراته، لذلك مازالت بعض العائلات تحرص على اقتناء بعض الرسومات المشهورة لمعارك وبطولات وشخصيات تاريخية وضعها في البيوت، حتى الأجانب وخاصة الإنجليز الذين عاشوا فترة طويلة في الهند لديهم إطلاع واسع بالرسم القديم ويشترون كميات كبيرة منه .
شارع السيف ـ أمينة عماري

