في أحد أركان القرية العراقية يمسك الحاج حسن الكناني إبرته ليغرزها في قماش البشت النجفي ليكمل تفاصيله الأخيرة ويكون جاهزا لمقتنيه، وهو بهذا يعبر عن تراث عراقي خالص قدم العباءة الرجالية كونها جزءا مهما من أناقة الرجل العراقي وحضوره في المحافل والمناسبات.
يحدثنا الكناني عن قصة العباءة الرجالية وهل تسميتها صحيحة؟ فيقول : للعباءة الرجالية تسميات كثيرة تختلف باختلاف خيوط نسيجها وألوانها وطرق خياطتها وتطريزها وموسمها ومنشئها، لكن أشهر تلك الأسماء الخاجية والجاسبي والحبر والبريسمية والأطلس الحرير والقزية والمزوية، وغيرها من الأسماء حسب أنواعها ومناطق خياطتها.
والبشت النجفي يطلق على العباءة ذات اللون الأحمر الفاتح والذهبي والبيج والأبيض، وفي الحقيقة أن معظم خياطي البشت ليسوا من النجف وإنما عائلات من سوق الشيوخ تعمل في خياطة البشوت وتصديرها إلى النجف، لكن تطريز العباءة بالخيوط المذهبة أو الكلبدون يتم في مدينة النجف.
وعن أنواع العباءات يقول الكناني : هناك نوعان من البشوت، الشتوي ويكون مصنوعا من الأقمشة الصوفية السميكة، والصيفي يغزل من خيوط الصوف بعد أن يتم تنظيفه وتجهيزه للعمل، وغزل العمارة هو أفضل أنواع الغزل وخصوصا غزل عشيرة البزون الذي يتميز بجودته ودقة غزل خيوطه، فقد كان الرجل يطيل أحد أظافره
ويصنع به شرخا ليتحسس أي عقدة أو خلل في دقة الخيط وغزل العمارة يبقي لون الصوف كما هو لا يتم صبغه، بينما يصبغ الغزل النجفي بألوان ثابتة حسب رغبة الزبون، وكانت العباءة في الماضي تبقى عند الرجل عدة سنوات يحافظ عليها ويكمل بها أناقته في المناسبات، ولكن اليوم صار الرجل يستبدل عباءاته ويحتفظ بعدد منها لمختلف المناسبات.
ويذكر الكناني مراحل صناعة البشت قائلا : بعد تنظيف الصوف وغزله بدقة تبدأ عملية حياكته التي تعتمد على الآلات اليدوية وتقتضي الدقة، ثم يغسل و« ينول» أي يفرش الصوف على قطعة خشبية خاصة ليحتفظ بمظهره سليما ثم يتم تفصيلها وخياطاتها حسب قياسات الرجل، كما يمكن تقصيرها أو تطويلها من جهة الخياطة التي تكون وسط العباءة، وتعامل كما تعامل الملابس العادية التي تقصر من أطرافها السفلية.
تطرز العباءة بخيوط البريسم أو الخيوط المذهبة وكان الناس في الماضي يحرصون على تطريز العباءة بالخيوط الزرقاء لتطرد العين عن مرتديها، وكانت العباءة من الأهمية بحيث ان بعض الناس لا يخرجون من بيوتهم إلا وهم يرتدون العباءة، لكن الحياة تغيرت واتجه الشباب إلى الأزياء الحديثة وصارت العباءة خاصة بكبار السن أو المناسبات المهمة، بينما هي جزء مهم من الزي العربي تكمل هيبة الرجل وأناقته.
والبشت النجفي شكل جزءا مهما من الأزياء العراقية الفخمة، وتذكر المصادر التاريخية أن العباءة المشغولة بشكل مميز تباع بمبلغ يفوق مهر العروس مطلع القرن الماضي، واليوم مع تطور المصانع والمعامل تبقى العباءة المصنوعة يدويا أكثر حظوة وفخامة وأغلى ثمنا لا يقتنيها إلا من يعرف قيمتها ويقدرها حق قدرها.
القرية العالمية ـ دلال جويد


