الوقت متاح للحكايات.. والولوج إلى دفء عينيك.. والإصغاء أيضا إلى إيقاع تساقط الدمعات...

ـ يدهمنا العمر.. وتختزل المسافات الدرب في كلمتين.. أنا.. وأنت.. وحمامة سقطت ولم تتوقف عن الهديل..

وقلبي.. وقلبي المشحون بالانتباه حزم قصائده للسفر حاملا معه غبار المعاني الموصدة على ذاكرة لا تشيخ وحط الرحال في القرية العالمية معيدا إنتاج الحلم المصلوب هناك في الوطن، على أرصفة الألق والدهشة، في محاولة للنأي عن حافة القبر المفتوح من قبل القادمين من الوهم.

روح الخشب

رياض رشماوي.. قدم إلى القرية العالمية من (بيت ساحور) الفلسطينية التي يعانق فيها الصليب الهلال دون ضجيج، وفي حكاية ترتكز على الصلابة والصمود بوجه التغييب وطمس الهوية الوطنية والقومية... رشماوي أكد لنا بأنه جاء إلى هنا ليس بهدف البحث عن تحسين ظروفه المعيشية فقط، بل في إطار اخذ دوره بدعم القضية الوطنية ومؤازرة من يواجهون طاحونة الموت اليومية في الوطن،

عبر حماية الهوية والمحافظة عليها من مخاطر التهويد، مشيرا إلى أن الحفريات الخشبية التي يعرضها بما تتضمنه من خرائط لفلسطين، وتجسيد لمختلف المقدسات والرموز الوطنية تمثل استحضارا للوطن، وأرواح من سقط من الشهداء الذين عمدوه بالدم.. ويستعرض معنا المشغولات الخشبية التي تحضر فيها فلسطين بكافة تفاصيلها.. واللون المسيطر هو.. الأحمر.

الحضور في دفتر الغياب

وتحث الخطى في دروب القرية الفلسطينية تطالعك محال عارية تماما لا يستر فراغها سوى غطاء بلاستيكي برتقالي اللون ليمنح المشهد الفلسطيني في القرية العالمية بعدا يليق به قائم على رفض الموت والتشبث بالحياة.. فهناك محال تعج بالحركة والحلم.. إلى جانب هذه التي يصارع فيها الغطاء البلاستيكي الهواء البارد الذي لم ينجح بالتسلل إلى القلوب المحيطة..

وتسأل عن السر وراء المحال الفارغة في القرية الفلسطينية.. ويأتي الجواب من احدهم لا اذكر اسمه، ولكنه يشبه الكثيرين: لقد منعت قوات الاحتلال الصهيوني أصحابها من الخروج من وطنهم للمشاركة في المهرجان.. ويلح صديقي بالسؤال: ولكن لماذا، وما الذي اقترفوه؟

.. المرارة في العيون المحيطة أقنعت صديقي بالتوقف عن السؤال!!

* * *

ـ يتسللون بين أزقة مدينة الخليل القديمة.. اعرفهم واحدا .. واحدا.. وفي كل منحنى كان واحدا منهم يغيب..:

وفي هذا المنحنى كان هناك واحدا فقط اعرفه.. ولكنه لم يلتفت للخلف لمعرفة سر غياب رفاقه..!!

قال أحد المشاركين بأن هاجس العدو هو دفع الفلسطيني إلى بوابة الموت، أو دائرة النسيان وكلاهما سواء بالنسبة للفلسطيني.. ولكنهم يفشلون دائما..

فهذا المحل الفارغ لعيسى، وذاك لمراد، وهذا ( لأحمد) الذي يصارع هناك لحماية أشجار الزيتون في أرضه بمواجهة الجرافات المعادية، وذاك المحل في أقصى القرية: يصمت قليلا ثم يقول هامسا: بأنه ينتظر وصول (جمال) الذي استشهد في المواجهات الأخيرة مع قوات الاحتلال في مدينة رام الله، مؤكدا بأنه في أواخر كل ليلة يلمح المشاركون طيف ( جمال) : يتوقف أمام المحل قليلا.. يبتسم للجميع.. ثم يعاود المسير في جنبات القرية متفقدا رفاقه الذين استطاعوا الوصول.. ثم استحضار أرواح من غابوا.. وتسجيل أسمائهم حضورا في دفتر.. الغياب!!!

رائحة الخزف

نسعى خلف نغمة ناي حزينة انبعثت من مكان ما في القرية الفلسطينية.. نصادف يوسف النتشه الذي استقبلنا بلهجة أهل( الخليل) المحببة: أهلا يا أخي، مشيرا إلى أنهم كأسرة توارثوا مهنة صنع الخزف منذ أكثر من 450 عاما، حيث يعمل هو وقريبه (فارس) في هذا المجال منذ 35 عاما.. والذي أكد لنا بدوره بأنهم مسكونون بالوطن، لافتا إلى أن كافة منتجاتهم الخزفية تحمل رمزا فلسطينيا.. فعلى هذا الكوب نرى رسما للمسجد الأقصى، أو لقبة الصخرة، وكنيسة المهد..

وردا على سؤالي له حول عدم وجود رسم للشهداء على أي من منتجاتهم قال فارس: نحن لا نرسم من لا يغيب !!!

درب الجلجلة

.. يطيرون حمامهم ذكريات على إيقاع العمر المضمخ بالحنين.. والقلب.. القلب بكامل الحب يتمنى لقاء من يحب.. والنجوم بكامل ضوئها تطرق باب السماء.. فيما الكلمة تبحث عن شفاه للكلام...

جورج خير من قرية بيت ساحور يعرض في محله منتجات خشبية كان قد باشر العمل في مجالها قبل 24 عاما.. فلسطين حاضرة بقوة فيها من خلال الشهيد الفلسطيني الأول.. السيد المسيح الذي سار على درب الجلجلة ذات يوم راسما الدرب لأبنائه القادمين الذين يسيرون .. ويسيرون على الدرب نفسه حاملين صلبانهم وعشقهم على الأكتاف .. وفي أعماق القلوب، يعيدون تمثيل مشهد الصلب للشهيد الأول .. كل يوم..

ـ عزمي الأيوبي أشار إلى إحدى منتجاته بألمك قائلا : هذه هي حكاية فلسطين اليومية.. لوحة خشبية رمادية اللون قمت بإخضاعها للنار لتظهر فلسطين الحالية وهي تكتوي بنار الاحتلال.

وننصت قليلا لبحة الناي الحزينة الني ارتفعت فجأة.. نخرج لنطاردها فتطالعنا ابتسامة ارتسمت على شفتي شاب كان يقف أمام محل يلوح على واجهته غطاء بلاستيكي برتقالي اللون..و.. تلاشى سريعا قبل أن نتمكن من محادثته..!!

خوله عبد الرحيم، قالت انها تقيم وعائلتها في الإمارات منذ زمن طويل، وتنتظر بفارغ الصبر فعاليات مهرجان دبي للتسوق لتعمل في احد محالها، فالأمر بالنسبة لها واجب ومحاولة للاقتراب من تفاصيل الوطن الملازم.

كنافة بطعم الوطن

لا احد على وجه الدقة يستطيع معرفة الشخص الذي صنع (الكنافة) أول مرة، ولكن بالتأكيد الجميع يعرف بأنه كان من مدينة نابلس الفلسطينية

...قد تأكل الكنافة في أي مكان من دول العالم المختلفة التي تنتشر فيها بكثرة حاليا ولكن.. ولكنك بالتأكيد هنا في محل (زهرة فلسطين) ستأكل شيئا مختلفا، لأنها تقدم بطعم الوطن.

زهرة الأكاسيا

أم بلال .. تلك السيدة الفلسطينية التي لا يكتمل المشهد بدونها : للوجه لون القلب الذي تقدمه لك ممزوجا برائحة الزعتر البلدي، وزهرة الأكاسيا المسكونة بالوجع..

.. لامرأة كان يغفو على راحتيها سرنا الصغير، ويستفيق على ضفاف الموعد الأول.. لها وحدها كل القلب.. والحنين، وتجليات سرنا الكبير.

و..ويغمض القلب عينيه..ونخرج من القرية الفلسطينية حاملين حزننا .. دموعنا ربما.. و يودعنا ذاك الطيف الذي تعلو شفتيه ابتسامة مصحوبا بصوت الناي الحزين ذي النغمة الجريحة.. ويستدير عائدا إلى داخل القرية ليعيد تفقد رفاقه.. منهم من حضر ، ومنهم من غاب متابعا تدوين أسمائهم جميعا حضورا في دفتر.. الغياب.

القرية العالمية ـ خالد اللوباني