مارلون براندو أحبطني وبعدها اقتربت من حلمي الكبير

التونسي سمير كمون يعيد تشارلي شابلن إلى الجمهور في المهرجان

صورة

ارتبط اسم تشارلي شابلن بذاكرتنا عن السينما الصامتة وقد كانت أفلامه ذات حضور محبب حتى مع ظهور الصوت في السينما لذا فإن مشاهدة تشارلي شابلن يتجول بيننا ويرحب بنا بعد مرور ما يقارب القرن من الزمن على بداية ظهوره في السينما يجعل من الأمر أقرب إلى الأسطورة، ومع ذلك فلابد من التأكيد أن تشارلي شابلن يتجول في شوارع دبي يحتفل مع الناس بمهرجان التسوق ويؤدي حركاته المميزة التي ميزت أجمل أفلامه.

يقدم شخصية تشارلي شابلن الفنان التونسي الأصل سمير كمون الذي يبدأ صمته يوميا من الساعة الثالة مساء وحتى منتصف الليل ليجسد شخصية تشارلي شابلن التي ارتبط بها منذ ثلاثين عاما مضت، وله معها حكايات وقصص طريفة لذا لابد أن نتعرف على الرجل الصامت في زمن الكلام الكثير.

بادرنا سمير كمون بالحديث قبل أن نسأله قائلا: (لا توقفوني عن الكلام فأنا أصمت نصف يومي فاسمعوا قصتي مني)، وبدا يحكي قصته قائلا (ولدت في 13 أبريل وقد اكتشفت بعدها أني وتشارلي شابلن من برج الحمل فقد ولد في 16 ابريل، ولدي ثلاث بنات هن أمينة وبثينة وصابرين، أعيش في لوس انجلوس وأجسد شخصية تشارلي شابلن منذ أكثر من ثلاثين عاما وهي الشخصية التي أدخلتني إلى عالم الأضواء وعرفت بها خلال السنوات الماضية).

ـ وكيف كانت بدايتك مع الفن؟

ـ منذ أن كان عمري خمس سنوات، أعطاني رب العالمين هدية هي أني عرفت هدفي في الحياة، وهي أن أكون ممثلا عالميا وقد كنت في هذا العمر أرتدي ثياب والدي أو خالي وأخرج إلى عائلتي وأقوم بتمثيل دور الكبار، وفي المدرسة كنت أقوم بتقليد المدرسين والشخصيات المحيطة، إلى أن جاء برنامج ملف التسلية عام 1967 الذي كان يخرجه محمد رشاد الغيث،

فقدمت في البرنامج عدة فقرات قلدت فيها عبد السلام النابلسي الذي كان حبي له واحدا من أسباب تعلقي بالتمثيل، وكذلك قلدت فريد شوقي وجيمس براون والرياضي التونسي محمد أبو غنيم، وشخصيات مختلفة أخرى، وكان نجاحي كبيرا جدا وقد كنت أول مقلد للشخصيات في تونس،

لكن هذا العمل جعلني أتعرض للضرب الشديد لأن بعض الناس من الذين قلدتهم لم يعجبهم الأمر فقرروا معاقبتي ووصلت الامور إلى مركز الشرطة، لكن الأمر لم يمنعني من العمل في التلفزيون التونسي حتى عام 1973، وقد كنت أقدم برنامجا للأطفال وآخر للكبار غضافة إلى التمثيل في أحد المسلسلات، لكني كنت اشعر أن مواهبي مقيدة، فسافرت إلى بريطانيا لدراسة الدراما والكوميديا وكنت أغسل الصحون في الليل وأدرس في النهار حتى أكملت دراستي.

ـ وهل عدت إلى تونس بعده؟

ـ نعم عدت إلى تونس صيف 1975 وهناك التقيت الممثل العالمي جيمس براون وكان أحد الشخصيات التي قلدتها فمثلت أمامه وأعجب بي وكتب لي ورقة فيها ( إذا قدمت لأميركا سأساعدك) فذهبت إلى أميركا واستقبلني الرجل بحفاوة كبيرة وقدمني للجمهور في أتلانتا جورجيا في الليلة التي وصلت بها حيث مثلت شخصيته، لكني وجدت أن عالمه مختلف عن عالمي فسافرت إلى نيويورك وهناك وجدت غرفة صغيرة في فندق ولم يكن معي سوى مئة وخمسين دولارا والكثير من الأمل والعزيمة، حتى استطعت تمثيل شخصية تشارلي شابلن.

ـ وكيف كان ذلك؟

ـ عندما سافرت من تونس إلى أميركا مررت بكندا وهناك وجدت محلا يبيع بدلة تشارلي شابلن ومستلزماتها بخمسة عشر دولارا فاشتريتها من باب التسلية، وعندما جلست في غرفتي في نيويورك كنت أفكر بضرورة أن أقوم بشيء لافت لأجلب الأنظار، وتذكرت البدلة فارتديتها وحين وقفت أمام المرآة ووضعت الشنب أدهشني الشبه بيننا لذا قررت النزول على الفور إلى الشارع لكني كنت متوترا وكلما ازداد توتري ازداد الشبه بيننا،

وشعرت كأني وجدت قطرة ماء في الصحراء، فحين نزلت إلى الشارع استقبلني الناس بحفاوة بالغة وصاروا يتفاعلون معي ويستمتعون بعروضي لكن فلوسي بدأت تنفد وفي احدى المرات كنت راجعا بشخصية تشارلي شابلن فوقفت أمام واجهة أحد المطاعم ومثلت دور تشارلي وحركاته عندما يكون جائعا فخرج صاحب المطعم بنفسه وأصر على أن أتناول وجبتي بينما صار الزبائن يتخاصمون حول من يدفع ثمن الطعام، وكان هذا بالنسبة لي يعد نجاحا إذ ان الناس تقبلوني وتعاملوا بمحبة مع ما أقدم.

ـ وأين كانت محطتك التالية؟

ـ قررت بعد تلك التجربة إلى الذهاب قريبا من عالم هوليوود حيث يسكن كبار الفنانين والمخرجين العالميين، لذا استأجرت غرفة في بيفرلي هيلز كنت أسميها قبر المروحة فهي صغيرة إلى الحد الذي تتسع فيه لجسدي فقط لذا تكون كالقبر، والمروحة في القبر تأتي من سكني في مدينة الأثرياء وعلى مقربة من نجوم هوليوود،

وكان هناك مطعم قريب من بيتي يأتي إليه مشاهير السينما فقررت أن أقدم دوري أمام واجهته، وكان النجوم يخرجون فيضعون المال بيدي، وبدأوا يطلبون رقم هاتفي فجهزت مجموعة من البطاقات فيها اسمي ورقم هاتفي وكان الناس يتصلون لأحضر حفلاتهم وأمتع ضيوفهم، وهناك مثل يقول فلان يأكل خبزه بسكاته «وكنت أنا هذا الفلان،لكني هذا العمل ليس هدفي وإنما كنت أحلم بالدخول إلى عالم هوليوود،

وقد توقعت أن الفرصة جاءت حين خرج مارلون براندو بطل فيلم «الأب الروحي» من المطعم فتحفزت لإثارة اهتمامه لكنه تجاهلني تماماً، وطلب منهم أن يحضروا له التاكسي فاقتربت منه وخرجت عن صمتي وعرفته بنفسي وقلت له أني من تونس فقال: يا للخسارة «وقد شعرت حينها أن سكينا غرزت في صدري، واستجمعت شجاعتي وقلت ان تشارلي شابلن مجرد فكرة لأني أرغب أن أكون ممثلا،

فقال من دون أن ينظر إلي لأنك مريض مثلي ومثل أي ممثل آخر، فقلت له لكني لا أستطيع التخلص من هذا الحلم فقال هذا يعني انك مريض جدا وستعيش وتموت وحيدا،فطلبت نصيحته لكنه تركني وذهب إلى السيارة وأغلق الباب فتقدمت ووقفت منتظراً، ففتح زجاج النافذة بكل برود ونظر إلي للمرة الأولى وقال عد إلى تونس.

* كيف كان وقع الأمر عليك وهل استسلمت للأمر؟

ـ في البداية أحمد الله انه لم يكن لدي مرض القلب في تلك اللحظة وإلا مت، وعدت إلى بيتي باكيا وقد اختلطت دموعي بكحل تشارلي شابلن، ووصلت وكنت أعلق صورته فخاطبته معاتبا، لكني قلت لنفسي علي أن أفكر كما يفكر الأميركان واستغل الحدث وبالفعل نشر موضوع لقائي بمارلون براندو على صفحة كاملة في صحيفة لوس انجلوس تايمز،

وأعطتني قناة سي بي اس عشرين دقيقة لأقدم نفسي، وكانت النتائج ايجابية فقد تضاعفت قيمة الإكرامية وجاءني مخرج فيلم «الأب الروحي» وقال سوف نكذب براندوا وسأعطيك دورا في أحد أفلامي وبالفعل قمت بتمثيل دور صغير ثم تعددت الأدوار الصغيرة في السينما وجدت أني اقتربت من حلمي كثيرا.

* وهل تخليت عن الوقوف أمام المطعم؟

ـ لا فقد كنت اتخذ مكاني أمام المطعم يومياً لمدة أربع سنوات في مختلف الظروف وأحيانا كنت أمرض من الوقف في البرد الشديد، لكني كنت أنتظر فرصتي وطبعت آلاف بطاقات التعريف التي كنت أقدمها للناس وأراها مثل ورق اليانصيب لابد أن تحتوي على الورقة الفائزة، وبالفعل اتصل بي لو ووسرمان صاحب أكبر شركة سينمائية هي يونيفرسال ستوديوز هوليوود،

وقال أنا معجب بإصرارك على النجاح وعدم استسلامك لذا أقدم لك عرضاً بأن تكون عضوا في شركتي فوافقت على الفور ومنذ سبع وعشرين عاما أمثل الشركة بدور تشارلي شابلن وأنا العربي الوحيد الذي يعمل في هذا المكان، وقد تم اختياري الموظف المتميز وفنان العام 1988، وانتخبت سفير المحبة والسلام للشركة في العالم فسافرت إلى الصين واليابان وكوريا وتايوان وعدد من البلدان الأخرى وكانوا يطلقون علي المتحدث الصامت، فقد كنت أذهب بالهدايا إلى الأطفال المعوزين في العالم.

*هل لديك اهتمامات أخرى غير التمثيل؟

ـ أعشق الموسيقى وأكتب الأغاني وقد كتب أغنية الأم لصابر الرباعي ولحنتها معه وغناها في مهرجان جرش ولاقت نجاحا كبيرا كما لحنت له أغنية كانت تكريما للموسيقار الراحل محمد عبدالوهاب ألف كلماتها مأمون الشناوي، قد كتبت كلمات أغنية ضد الحرب ستسمعونها قريبا إن شاء الله.

* هل ترى انك حققت أحلامك؟ وهل أنت راض عما وصلت إليه؟

ـ الحمد لله حققت ما كنت أحلم به منذ طفولتي وهذا بفضل الله ورضا الوالدين وقد كانت إحدى دعوات والدي لي هي «ربنا يعطيك القبول ومحبة الرسول» وقد أعطاني الله سبحانه وتعالى هدية لا تشترى بالمال هي خفة النفس والابتسامة في المواقف المبكية والتفاؤل عند الشدة، وعدم الإيمان بكلمة لا فالحياة تحتاج إلى الصبر والمثابرة لذا اشعر بالرضا عن ما قدمته وإن شاء الله أقدم الأفضل في المستقبل.

دبي ـ دلال جويد

تعليقات

تعليقات