إذا قررت للحظة واحدة أن تهربي.. فتعالي إلي..

تعالي لأخبرك بالحقيقة دفعة واحدة :ذات مرة أوقفوا رصف الشوارع فأصبحت أجسادنا لا تجد مكاناً تستريح فيه... ولكنهم.. هناك في القرية العالمية واصلوا دوما رصف كل الدروب ، وإنتاج مداميك الضوء التي صنعت عروساً فائقة الحسن والجمال تتكئ على يسار طريق دبي الذي يختتم الحلم فيه بمدينة ابوظبي..-ادفعي يا ابنتي العربة.. فالموعد ليس بعيداً عندما أصبح بحاجة لمساعدتك و.. وتضحك الطفلة الصغيرة كأنها فهمت ما قالته أمها..- لورا فنية كومبيوتر في إحدى الشركات العاملة في دبي.. أكدت لنا بأنها تنتظر بفارغ الصبر هذا الوقت من كل عام لتمنح نفسها اجازة طويلة تمتد طوال أيام المهرجان، لافتة إلى أن المستفيد الأكبر من هذه الاجازة هي طفلتها التي تفتقدها كثيرا طوال العام بسبب ساعات العمل الطويلة التي تجعل من عطلات نهايات الأسبوع مجرد فرصة للنوم، فيما يبقى اجتماعها مع طفلتها التي تحتاج إلى تلمس الأبجديات الأولى للأمومة والحنان عصيا على التحقق.

المهرجان.. القرية العالمية.. هو المجال الحيوي لاجتماع لورا مع ابنتها (ريحانا)... ادفعي يا (ريحانة)، ادفعي العربة فالعمر قصير.. والحياة أغلى من أن نستنزفها في العمل.. والعمل فقط.-لا تغضب.. فما زال الوقت مبكراً على ذلك، وعلى رسم هذه الملامح العابسة على الوجه البريء، والزمن الحاضر.. والمقبل لك أنت وحدك.. فأطلق ساقيك للريح في كل الاتجاهات، واعبر جداول النور الملازم.. ولا تفطم العمر في أول المسافة..!.. (مليسيا) أحضرت ابنها (جون) الصغير إلى القرية العالمية ربما لتعلمه الفرح الذي افتقده بسبب انشغالها ووالده الدائم عنه في عملهما..... جون غاضبا.. مبهورا بما يراه.. ثم يطلق ساقيه وكل حواسه للريح... مليسيا تصرخ: لا تبتعد كثيرا يا جون.. لا تبتعد.

والده يرد بسرعة..: لا تخشي شيئا فالقرية العالمية وطن للأطفال.. ويلتفت إلي قائلا نحن نعمل بجد وجهد كبيرين لنؤمن له مستقبله ومستقبلنا، مما يضطرنا إلى تركه لساعات طويلة مع المربية..

مليسيا تضيف بأنهما يحاولان تعويضه عن فترات الحرمان من اللعب والاستمتاع المتبادل بالأحضان الدافئة معه... هنا في القرية العالمية الفرصة الوحيدة لتحقيق ذلك..

جون لا تنظر خلفك.. فالأمام والخلف هنا متشابه.. ويلمع بسوية واحدة.

-حافظي على هدوء أعصابك يا (كاملا) فاليوم هو يومهم.. دعيهم يقدمون أوراق اعتماد طفولتهم بامتياز في هذا المكان.. يعلق الأب ( كوتا نور) على عصبية الأم من تصرفات أطفالها الثلاثة الذين يحاولون جميعا الصعود إلى العربة الصغيرة التي لا تتسع لهم.

-(كاملا) أكدت بأنها رغم عصبيتها الظاهرة إلا أنها على قناعة أكيدة بأن أولادها بحاجة ماسة إلى لحظة يعبرون فيها عن أنفسهم وطفولتهم التي تستنزف يوميا في غيابها هي وزجها طوال النهار في عملهما.. لافتة إلى أن العنوان لهذا الغياب هو تأمين المستقبل.

- الأب ( كوتا نور) يضيف قائلا.. الخيارات صعبة ولكننا بالتأكيد ندرك حجم الخسارة التي يتعرض لها أبناؤنا بسبب غيابنا عنهم ويشير إلى أن الوسيلة الوحيدة التي يلجأ إليها لتهدئة خواطر أولاده خلال نوبات الاحتجاج تتمثل في ممارسة لعبة الإغواء والإغراء لهم بأن مهرجان دبي للتسوق موشك على إطلاق فعالياته، ومن ضمنها القرية العالمية التي يعشقونها...

استغراقهم في حلم الانتظار، وإحصاء المتبقي من الأيام يدخلهم في حالة خدر لذيذ تعطي للأبوين فرصة هدوء، وإمكانية لفض الاحتجاج الذي أوشك على الخروج من دائرة الصمت.

- ملائكة هم الأطفال.. ولكن دون أجنحة.. ليس مهما أن تطيري يا (نجوى) إلى الأعلى فما تبحثين عنه قي الفضاء ستجدينه هنا على الأرض، وفي أروقة القرية العالمية.. اطلقي العنان لجناحيك وسترين الكثير..

... تعبت الدروب ولم تتعب نجوى.. احتضنت كل الأضواء المنبعثة من الأرجاء المختلفة للقرية، وحتى ذاك الضوء الذي كان يأتي من البعيد طاردته ولكنها لم تتمكن من معانقته... فقد كان مخصصا لمساءات اليوم التالي..

الكثير من زوار القرية العالمية تمكنوا من مشاهدة نجوى وهي تحاول الطيران في دروب القرية العالمية ، فيما ذاك الضوء البعيد ينوس.. وينوس..

- نجوى..منحها والداها الحرية الكاملة للاستمتاع ، والاستحمام ببحيرات الضياء هنا.. هنا وهنا فقط لا محاذير أو حدود لأحلام الأطفال، وهي لم تكن لتدع الفرصة لبلوغ أقصى تلك الحدود.

- الم يحن دوري يا أبي بعد لأصعد على كتفيك؟

- لقد أخذت دورك كله يا بشير ذات يوم، ولم تعد الكتفان نفسهما بقادرتين على حملك الآن، كما لن تعودا قادرتين مستقبلا على حمل شقيقك الذي يعتليهما الآن...

وينطلق بشير بدراجته كالصاروخ..

- لماذا أحضرت الدراجة معك إلى القرية العالمية، وما حاجتك إليها هنا ؟

- لأنني أريد الوصول إلى الأبعد في القرية وبسرعة... ولا يلتفت إلى الخلف فيما العجلات الصغيرة تنهب الدرب إلى الضوء البعيد..!!

خالد اللوباني