سئمت جدتي من كثرة عبثي ولهوي بعلبة البسكويت الزرقاء التي تضعها جانبا لتحفظ فيها براقعها البراقة دوما، بالإضافة إلى بقية أدوات ومعدات صناعة البرقع بهدف الاستخدام الشخصي، فهددتني بإبلاغ معلمة اللغة العربية ـ التي أحببتها كثيرا واحترمتها أكثر وكان ذووها من جيراننا الأخيارـ إذا ما لمست العلبة ثانية، حينها فقط .
وبدافع الإحراج والحياء قاومت ولعي باللعب طويلا في تلكما الأدوات الدائرية التي تشبه بلورة المتنبئات بالمستقبل حيث تلتف من حولها بفتنة خيوط حمراء قانية، عدا عن قطع جذابة في سماكة تفوق سماكة الورق قليلا على هيئة مربعات ذهبية براقة. هذه إحدى حكايات الطفولة الحلوة التي عشتها بين أحضان جدتي الدافئة في دعة وأمان، حينما كنت صغيرة بضفيرتين،وقادتني إلى ذكراها مهنة تتمسك بها بعض السيدات المخضرمات مصدرا لرزقهن، وتدل جميع المؤشرات على أنها مهنة تسلك طريقها للاندثار بسبب تراجع الإقبال على ارتداء البرقع الذي يمثل جزءا من الزى الشعبي الإماراتي الأصيل وإحدى مفرداته التراثية المهمة. في الوقت الذي لم تعد المرأة الإماراتية الآن تتمسك بالبرقع كما كانت تفعل في السابق، عدا بعض المناطق التي تضم قبائل بدوية لم تفلح المتغيرات من حولها في دفعها للتخلي عن بعض عادات وتقاليد الأجداد.
مهنة اندثرت
قالت آمنة خليفة أن صناعة البراقع كانت مصدرا رئيسيا لرزقها هي وأبناؤها الخمسة، وعملت في المهنة التي ورثتها عن أمها وجدتها منذ ما يزيد على خمسة وثلاثين سنة، حيث كانت معظم نساء المنطقة التي تسكن فيها لا ينقطعن عن زيارتها ليل نهار طلبا لتفصيل براقع لهن بمعدل من اثنين إلى أربعة على الأقل لكل واحدة منهن، أما اليوم فقد قل الطلب على صناعة البرقع بعدما اقتصر ارتداؤه على الجدات تقريبا في أغلب المناطق في الدولة.
خميسة سالم جدة تعتمد اليوم على المبلغ الشهري التي تصرفه لها الشؤون الاجتماعية بوصفها أرملة وغير عاملة، وكانت فيما مضى تتسلى بصناعة البراقع وبيعها على كل من ترغب بتفصيل برقع جديد، وبعد أن تغيرت الأحوال واعتمدت بعض السيدات على إعداد براقعهن بأنفسهن نظرا لأنها عملية غاية في البساطة خالية من أي تعقيد، أصبح الإقبال على الطلب شبه منقطع، فاقتصرت صناعتها للبرقع على استخدامها الشخصي.
موزة حارب تشرح إعداد برقع جديد والأدوات اللازمة له وتقول: انه في البداية لابد أن تتعرف الصانعة على القياس المناسب لوجه السيدة التي سترتدي البرقع ويتم ذلك من خلال الاعتماد على برقع قديم لها، ثم تبدأ في قص قطع قماش مربعة باللون الذهبي البراق وتزيد سماكته على سماكة الورق.
وبعدها تخاط خيوط حمراء أو باللونين الذهبي والفضي خاص بالمناسبات السعيدة على طرفي البرقع، ليتسنى للسيدة ارتداءه من خلال عقده بطريقة معينة ومرنة خلف الرأس، ومع مرور الوقت وكثرة استخدام البرقع يميل لونه إلى الأحمر النحاسي أو الأسود، وكثيرات كن لا يرتدينه حينما يتخذ هذا اللون.
وفي حسرة عبرت عنها تنهيدة ساخنة خرجت من أعماق موزة، قالت: البرقع أصبح اليوم يتواجد في المناسبات التراثية والثقافية والحضارية باعتباره واحدا من الزى الشعبي التراثي للمرأة الإماراتية، كنوع من أنواع التحف (والانتيكات) معروض للمشاهدة.
دبي ـ لولوة ثاني

