...وحيدات كإناث ذئاب كن يصنعن قمرهن الفضي في تلك الليلة.. ويطلقنه في سماء الذاكرة.. راقصات «الفلامنغو» اللواتي أشعلن رماد القلب وهن وحيدات رغم الحشد الكبير الذي كان يحلق.. ويحلق عاليا مع احتدام طرقات أحذيتهن على الأرض.وحيدة.. ومتوحدة راقصة «الفلامنغو» تلك وهي تغزل بخطواتها ليل ينسل من بين الأصابع ويغدق في التساؤل عن.. عاشقين.. أنا.. وأنت تمايلا كثيرا.. ولم يميلا مع المغيب.
.... هو مشهد في أول الطريق إلى قرية الفنون التي تحتضن صورا ورسومات لفنانين شباب جمعهم الحلم.. والتفاؤل بألوان قوس قزح، وبفراشات مشعة.المكان: مجرة استقالت من معدنها.. واختارت المبيت مع تلك الرغبة النازفة التي تتخفى خلف الجدار معلنة ان «الحياة مازالت ممكنة».. تسمي حصى الجدار واحدة.. واحدة، وتغريه بالحركة والانهيار..وتهتف مع بطل «كين كيسي» في «طيران فوق عش الوقواق».. المهم أنني قد حاولت و.. وتنسحب للحظة التالية..
الزمان.. : آخر السهام في جعبة القلب المخضب الذي أدمن اقتراف الحنين، وتحطيم صنانير الظلال.واجتمع الفنانون الشباب من مختلف أنحاء الإمارات متعاهدين على تجسيد الحب في الصورة واللوحة.. والخط قاسم مشترك بين أعمالهم جميعا يحمل الإشراق.. والتفتح.. والرحيل المستمر المعبر عن الحركة الدءوبة التي ستصنع للحلم قدمين ذات صباح..!!
محمد المرزوقي مدير نادي الإمارات للتصوير الفوتوغرافي استقبلنا على مدخل المعرض قال لنا انه يضم نتاج فنانين من جميع الإمارات في مجالات الفن التشكيلي، والتصوير الفوتوغرافي، والنحت، بالإضافة إلى رسوم الأطفال.أول ما يطالعك وأنت تلج الصالة التي تفوح منها رائحة المهابة.. تلك اللوحة النهارية التي تضم قنديلين معلقين على جدار تحت نافذة تقف عليها حمامة بيضاء.
الفنان الشاب صاحب اللوحة ينبئنا ومنذ اللحظة الأولى بأنه لا يحلم بالزهور الذابلة، أو بالموج الذي يصنعه البحر كيفما اتفق. فالقنديلان رمزا للضوء.. ضوء الحقيقة الذي سيغمرنا، وستنقله الحمامة المتحفزة للطيران إلى جميع الجهات. ويحيلنا فنان آخر إلى صورة فوتوغرافية التقطتها عدسة آلة تصويره لفتاة رسم الحزن ملامحها في كادر كامل من السواد الملازم والمحيط..
ولكن الفنان لا ينسى أن يشرح لنا موقفه من الأمر بمضمونه المتفائل بما سيحمله المستقبل من خلال بؤرة الضوء المفتوحة ولا يراها المشاهد بانعكاس الأشعة المضيئة على وجه الفتاة الحزينة ما يرسم ابتسامة «جيوكوندية» على شفاهها.الوردة الحمراء الطالعة من خلفية سوداء تخرج من دهاليز الهمسات إلى دائرة البوح والدهشة.. لتقدم موقفا صريحا للمصور صاحبها بأن السواد ليس بهواء ضروري، وبأن الموسيقى قفص آخر للخيال.
قاسية للوهلة الأولى تلك الصورة التي قدمها لنا فنان شاب آخر متضمنة قفلا محكم الإغلاق وهو يعلو سلسلة حديدية عانقت بوابة ما.. تجرح الهدوء في أزفة النفس.. لكن صاحبها طالبنا وبثقة متناهية ان نعي بأن الحصول على ما نريد لا يكون دائما سهلا، بل يجب ان نكافح من اجله، وذلك من خلال وضع القفل في بؤرة الصورة ليقول لنا:: هاهو الذي يحول بينكم وبين ما تريدون.. فحطموه.
وردة أخرى طالعة من آنية زجاجية.. ورغم ألوانها الزاهية.. إلا ان الفنان الذي رسمها أطلق في نفوسنا إحساسا بأنها وردة دون رائحة.. وأنها رغم القها الظاهر فهي ستذبل سريعا، لان الزهور لا تنمو في الأوعية.. الزجاجية!! قنديل آخر أطاح نوره بالعتمة التي تغلف الجدار في عملية إغواء واضحة لمن يمثل له هذا الجدار رمزا مقيتا لاقتحامه كخيار وحيد.. للوصول إلى المحطة المقبلة.
ملامح التحدي واضحة تماما على الحصان في اللوحة التي أبدعها فنان إماراتي شاب. الحصان لدى «بيكاسو» في «الغرنيكا» حملت ملامح الإصرار والتحدي.. وفي لوحة الفنان الإماراتي كانت الملامح نفسها واضحة.. ولكن الغموض كان يلف موضوع التحدي، على العكس من «الغرنيكا».. وإن أوحت القضبان في خلفية اللوحة بشيء ما!
ثلاثة قوارب تصطف إلى جانب بعضها البعض:
.. هل هو تأهب للسفر والرحيل؟
.. هل هو الوصول إلى المرفأ الآمن الذي تعكسه زرقة المياه وصفائها في أرضية اللوحة؟
اللوحة المفتوحة على احتمالات متعددة.. ولكن ما هو أكيد ان صاحبها يؤمن بأن الحركة مدخل آخر للحراك.
الخروج من الشرنقة الشمعية هو ما يمكن قوله عن تلك اللوحة التي تضم أناس من شمع، تذوب جلودهم من الحرارة على خشبة مسرح ربما.. وشخص وحيد يشبهنا يجلس على مقعد كمن ينتظر شيئا ما.
الفنان الذي رسم اللوحة ترك بابا مفتوحا له للخروج من الشرنقة الشمعية إلى العالم الحقيقي الذي ينتمي إليه..و.. وأغادر المكان.
أغادر المكان وصوت فيروز يصاحبني..
رديني عاباب الطفولة.. تا ألعب بشمس الطرقات.. وعن الحبيب الذي التقته بعد غياب طويل: كيفك أنت ملا أنت.. وعن «شادي» الذي اختفى ذات حرب.. وتعاقب حضور الثلج وغيابه لأكثر من عشرين عاما ولم.. يعد وأدندن مع فيروز في رحلة العودة وهي تهلل للحياة والموت وجهي العملة.
قرية الفنون ـ خالد اللوباني



