من (خذوهم صغاراً) إلى (صادقوهم كباراً) والأبناء يكبرون وتكبر حياتهم وتنضج أفكارهم ليمثلوا أوقاتهم وحقبهم وأجيالهم؛ فيما يتحاشى الآباء ومعهم الأمهات من النظر إلى سنواتهم الطويلة التي مضت، فيكفي أن هؤلاء الصغار قد كبروا وأصبحوا في طور المراهقة في سن حرجة وربما خطرة أيضاً، ما لم تتم رعايتهم رعاية استثنائية، ويُنظر إليهم على أنهم: صغار وكبار أيضاً.

الكثير من الآباء والأمهات يفرحون بأن أولادهم كبروا، لكن الكثيرين أيضاً لا يتصرفون إزاء هذه الفئة العُمرية بشكل حضاري ناجح يضمن لأولادهم (عبور) هذه السن الحرجة والوصول إلى مرفأ الشباب الأول والى تجربة الدخول إلى الحياة من أوسع أبوابها.

تفرح الأُسر بوجود أطفال لديها، يملؤون البيوت مرحاً ولعباً وضوضاء، لكنها تنظر إلى المراهق الصغير بعين الشك والريبة، فالمتطلبات اختلفت والمزاج اختلف والصوت اختلف والنظر إلى البيت؛ من عين المراهق؛ صار مختلفاً هو الآخر، لذلك تدخل الأسرة في ما يشبه النفير اليومي لهذا الصغير الذي كَبُرَ فجأة وكبرت نظرته إلى الأشياء وتعددت مطالبه، وأضحى مصروفه اليومي أكبر من اللزوم، وبات لا يدخل إلى بيت الجيران إلا وهو يطرق الباب، ثم صارت عينه (وقحة) على بنت الجيران على وجه الحصر!

بعضنا يتلصص على أسرار الأبناء المراهقين، من معاينة أرقام الهاتف للبحث عن أسماء النساء، إلى ما يكتبونه في أوراقهم الخاصة من رسائل، إلى ما يخزنونه في صحائف الكمبيوتر من أسرار وإشارات نعتقدها ألغاماً قد تنفجر بين لحظة وأخرى! والى كل ما من شأنه أن يثير (الريبة) في نفوسنا؛ وكأنما خُلق هؤلاء الأبناء ليبقوا صغاراً إلى نهاية الحياة!

يتعرض الأبناء المراهقون إلى مثل هذه الرقابة الأولية، وهي رقابة طبيعية يشوبها الفرح الخفي والقلق من لاشيء محدد، ويتجاسر بعض الآباء إلى فرض رقابة أشد ويفرضون أوقاتاً محددة لأولادهم بالخروج والعودة إلى البيوت، ليخلقوا مشكلة غير موجودة، ولا يتورع غيرهم من ملاحقة أبنائهم أينما ذهبوا، بل هناك مَن يستأجر (رقيباً) ليتابعهم أينما ذهبوا وأينما حلّوا ومع مَن التقوا!

في بيوتنا مراهقون وهذا أمرٌ طبيعي، لكننا نتناسى كآباء أننا كنا ذات يوم صغاراً ومراهقين ثم أصبحنا رجالاً، فدورة الحياة تقتضي هذا النمو البيولوجي وتغيرات المزاج واختلاف النظرة إلى الحياة وتبدلات الزمن وأحكامه وشروطه وما يفرزه من علاقات جديدة ومظاهر حداثية تبدو غريبة في عيون الآباء.

الثقة مطلوبة والنصح واجب؛ فبيوتنا التي يملؤها المراهقون إنما هم زينتها وجوهرها ورجولتها المقبلة، فهذه الكائنات التي غادرت الطفولة تحت ظلالنا وشبّت بيننا، هي قادمة إلى حياة أخرى معنا وبيننا وتحت مجهرنا، فعندما (أخذناهم صغاراً) علينا أن (نصادقهم كباراً) فالصداقة بين الآباء والأبناء ذروة التربية الاجتماعية وقمة السعادة التي يجد فيها الأبناء واحتهم الخضراء وطمأنينتهم في بيوت رعتهم وترعاهم، ويجدون أهلاً يسقونهم الأمل بماء العيون.

waridbader@yahoo.com