للشاي عادات وطقوس لدى شعوب العالم أجمع في إعداده وتناوله معا، بعضها مألوف والبعض الآخر غاية في الطرافة والغرابة، للتعرف اليها جميعا ما عليك سوى زيارة قرى وأجنحة الدول المختلفة في قلب القرية العالمية للاستمتاع باحتساء (استكانة) من الشاي المغربي بالنعناع الفواح، أو قدح من الشاي الأخضر الصيني لمزيد من الاسترخاء، والشاي العراقي المهيل، كما أن هناك الشاي الإيراني الفاخر الخالي من السكر، والشاي التونسي اللذيذ مع حبيبات الصنوبر الطازجة حتى يكتسب جسدك الدفء اللازم ليتسنى لك الاستمتاع ببرودة الجو الشقية والتي تلف المكان.
شاي.. الدرجة الأولى
(نيها) بهذه الكلمة التي تعني مرحبا باللغة الصينية استقبلتني بحفاوة بائعة صينية في محل للتحف والهدايا المضيئة بالقرية الصينية، فما كان مني الا أن بادرتها بالحديث عن الصناعة الصينية الرائعة التي تروج لها في كشكها المزركش بصنوف الزينة والديكور الزاهي، ومع مرور الثواني ثم الدقائق سراعا، دعتني لاحتساء قدح الشاي الأخضر الذي تغلغل في شراييني وبعث فيها شعورا غريبا بالاسترخاء والاستمتاع بكل رشفة من تلك الرشفات الثمينة،
وبعد مراقبتها لطريقتي في شرب الشاي بعدما تناولت القدح من الطقم الصيني الفاخر باللونين الأزرق والأبيض، بادرتني الحديث قائلة هل تعلمين الصين تعد الموطن الأصلي للشاي، منذ ما يزيد على خمسة آلاف سنة تقريبا، وبفضل الإمبراطور شين نونج المعروف بحكمته وغزارة علمه،
ومن عاداته التي لا يتخلى عنها كانت عادة شرب الماء المغلي لفائدتها لصحته بحسب اعتقاده، وفي إحدى المرات التي كان يتناول خلالها ماءه الساخن سقطت أوراق خضراء من شجرة مجاورة في كوب الماء وسرعان ما تحول لونه الى اللون البني الفاتح كما فاحت رائحة زكية أغرته بشربه دونما تردد، واكتشفت فيما بعد فوائده العظيمة.
وأشارت حرص الصينيون حينما يقدمون لضيوفهم الشاي على ملء كوب من الشاي ثم إفراغه بعدها في كوب ثان، ثم يطلبون من الضيف أن يستنشق عبير الشاي من الكوب الأول الفارغ ليستمتع برائحة بقايا النكهة العطرة ويستشعر في الوقت ذاته مدى إكرامهم له بتقديمهم أفضل ما لديهم.
توأم النعناع والشاي
لا يحبذ المغاربة احتساء الشاي الا بعد تناول الوجبة الرئيسية بعد ساعة تقريبا، سواء كانت الفطور أو الغداء أو العشاء، والسبب وراء ذلك إدراكهم للحقيقة العلمية حول علاقة الشاي بالحديد، بحيث يؤدي شرب الشاي لإصابة الشخص بفقر الدم، ذلك لأن الشاي يحتوي على مواد تقلل من امتصاص الأمعاء للحديد المتوفر في الوجبة، أما جدوى الانتظار لمرور ساعة من الزمن بعد الطعام لتناول الشاي فسببه قلة التأثير السلبي على الحديد الذي يحتاج إليه جسم الإنسان.
وتعد تجربة تناول الشاي المغربية تجربة فريدة لا تنسى، لاسيما وأن طريقة تقديمه تكون من خلال طبق نحاسي أخاذ ومزخرف يدويا بزخارف متقنة الصنع لا يشغلك ناظرك عنها سوى مستحضرات الشاي التي تتألف من وريقات النعناع الطازج الذي يعبق المكان برائحته حتى قبل إضافته الى الكؤوس الزجاجية الصغيرة والملونة، مع نكهة ماء الزهر والسكر.
الشاي الإيراني
ما يميز الشاي الإيراني عن سواه طريقة تناوله، بحيث يقدم إليك بالزعفران الفاخر خاليا من السكر، لتحتسيه سواء كان حلوا أم مرا بحسب الرغبة بعد أن يوضع المضيف لك مكعبين صغيرين من السكر، فيما الابريق على بعد بوصات فقط منك، كما أنه يمكنك أن تحلي بأصناف مشكلة من الحلويات الإيرانية الشهيرة بالأشكال المتنوعة.
وقال محمد أكبري مشارك في القرية الإيرانية مبتسما ان جدته كانت لا تفتأ تنصحه بتناول الشاي حينما كان صبيا وعللت ذلك وقتها بأن للشاي فوائد جمة كما قال لها من الأسلاف، وعندما سألتها عن بعض تلك الفوائد اعترفت بأنها لا تستطيع تحديها بالضبط،ولكنها تجزم بأن منافع شرب الشاي تقي من الإصابة من الكثير من الأمراض،
الأمر الذي دفع أكبري لمراجعة العطارين في إيران (وما أكثرهم)، بالإضافة الى الكثير من الأطباء، للوقوف على بعض فوائد الشاي ويستطيع بعدها أن ينقل الفائدة الى أبنائه وأحفاده، ليكتشف أن الشاي وتحديدا الأخضر يقي من هشاشة العظام، كما يساعد على حرق الدهون ويحمي في الوقت ذاته القلب من الإصابة بالأمراض كما يخفض نسبة الكوليسترول في الدم،
الى جانب زيادة ملحوظة في مستوى الطاقة لدى الأشخاص الذين يتناولون الشاي بصفة منتظمة ومعتدلة، ويساعد في تخفيض ضغط الدم، والوقاية من التسمم الغذائي، وانتظام حركة الأمعاء ويقي بالتالي من الإصابة بالإمساك، وفي علاج الصداع النصفي،ويعطي الوقاية الكيماوية من سرطان البروتستاتا لدى الرجال، كما أن تناول فنجان من الشاي يحمي اللثة والأسنان من التسوس ويقاوم البكتيريا الضارة التي تسبب رائحة النفس الكريهة، ويزيد من كفاءة جهاز المناعة.
الضيافة التونسية
لا تكتمل طقوس الضيافة التونسية الأصيلة الا بتقديمه كوب الشاي الساخن جدا بحيث يميل لونه الى الذهبي الفاتح ويمزج الشراب الذي تتصاعد منه أبخرة الغليان بحبيبات الصنوبر الطيبة المذاق، وهنا يشرح لنا عبدالحميد الإدريسي الحرفي المخضرم من القرية التونسية أصناف الشاي، مبينا أن السياح والمصطافين في تونس من الأوروبيين ودول العالم المختلفة يلحون في طلب الشاي التونسي حالما تطأ أقدامهم أحد المقاهي البارزة في سيدي بوسعيد أو في قلب العاصمة تونس.
288 مليار درهم حجم تجارة الشاي
تعتبر الصين أكبر دولة منتجة للشاي، ويكرس أكثر من أربعة ملايين أكر من الأراضي الصينية لزراعة شجر الشاي، كما يمثل منتوج الشاي في الهند محصولا زراعيا حيويا واستراتيجيا. وتشير أحدث الإحصاءات الى أن الإنتاج العالمي للشاي يتجاوز 5,2 مليون طن متري، بقيمة ثمانية مليارات دولار سنويا أي ما يتجاوز 288 مليار درهم تقريبا، وتعد الهند الأعلى إنتاجا تليها الصين، ويبلغ مجموع ما ينتجان 53% من مجموع الإنتاج العالمي، وتشهد كينيا من جانبها نموا مضطردا في إنتاج الشاي تجاوز 25 ضعفا خلال العقود الأربعة الماضية.
تاريخ الشاي
انتقل الشاي بعد اكتشافه لأول مرة في الصين من آلاف السنين الى بقية أصقاع آسيا، ثم أحضره الألمان الى أوروبا من الصين ثم الى أميركا في سنة 1650، وفي العام 1669 بدأت الشركة الهندية الغربية بإحضار أوراق الشاي الأخضر الى انجلترا التي احتكرت استيراد جميع أصناف الشاي الى الإمبراطورية البريطانية في سنة 1721،
وكانت أسعاره آنذاك خيالية ولا يتجرأ على شرائه سوى النخبة. إن هناك ثلاثة أنواع من الشاي الأخضر والأسود والشاي المخمر جزئيا والأصناف الثلاثة من أوراق شجرة الشاي المعروفة باسم، (كاميليا سنيساس) التي يدوم عطاؤها على مدى خمسة أعوام متواصلة ويعد الشاي الأخضر المفضل في الصين واليابان بحيث ترتشف أوراقه وتفتت، أما الشاي الأسود فيكثر تناوله في الدول العربية وبريطانيا وأوربا عموما، والولايات المتحدة الأميركية، وتترك الأوراق حتى تتخمر.ويمكن أن يسمى الشاي من مصدر إنتاجه مثل الشاي السيلاني الشهير.
دبي ـ لولوة ثاني



