يعتبر الحج من المناسبات التي تهتم بها القبائل في صعيد مصر، وتحافظ على طقوسها، فنجد في الأقصر، ولا يختلف الأمر كثيراً في باقي مدن الصعيد أن القرية تخرج عن بكرة أبيها في يوم توديع أو استقبال الحجاج، وحسبما يريد الحاج سواء ماشياً أو راكباً من دون تعب أو ملل، ويعد ذلك الأمر واجباً تتعطل لأجله مصالح أفراد القبيلة وأعمالهم وحتى مصالحهم الخاصة.
الحاجة جمالات الطاهر من إحدى قرى مدينة الأقصر جنوب مصر تصف نفسها بأنها من عشاق المديح في حب رسول الله، وتقول: من يوم البشارة بدعوة الحج، نجتمع نحن النسوة من الأهل والأحباب والجيران في بيت الحاج كل ليلة وعلى مدى الشهر أو أكثر.
حيث ندق على «الدف والطبل وننشد المديح ونرقص». وتتابع الحاجة جمالات حديثها قائلة: في «الليلة الكبيرة» أو يوم السفر، تخرج القبيلة والقرية عن بكرة أبيها نساء ورجالاً شباباً وأطفالاً، ويجتمعون لتوديع الحاج، وتنطلق الزغاريد من جميع النساء المهنئات بشكل غير منقطع مع إنشاد المديح على الدف.
ويصطف الرجال أمام بيت الحاج في انتظار معرفة ما إذا كان سوف يصحبهم معه ماشياً أو راكباً خلال الزفة التي قام بتجهيزها ليصحبه المهنئون من المجاملين، وهم يتحلقون على دق المزمار وأناشيد الحج. في موكب «الزفة» المهيب، يمر الحاج ويجب مصافحته وعناقه من الرجال والنساء.
ويذكرونه بأن يدعو لهم «عند شباك الرسول» أو الكعبة بالاسم، فحلمهم أن تذكر أسماؤهم في تلك الأماكن المقدسة. ومنذ لحظة خروجه من بيته، ولغاية وصوله إلى مكان تجمع الحجاج والنسوة لا تنقطع عن قول الإنشاد والمديح، وبعد الانتهاء من مراسم زفة الحاج يبدأ أهله في تزيين المنزل .
ولا تقل زفة وموكب الحاج في العودة عنها في وداعه، فهم أيضا ينتظرونه بشوق أكثر فقد عاد من عند الرسول داعياً لهم ومحملاً بالهدايا للصغار والكبار.. سجادة صلاة، سبحة، خاتم أو سلسلة للصغار،وغالباً ما تكون الهدايا ملابس أو عطورا.
واللافت في الأمر أن الحاج لا يدخل داره «بيته» لمدة تصل إلى أسبوع من وصوله، إذ يجب أن يستقر في ديوان القرية أو «المندرة» ليستقبل جموع المهنئين، وربما تطول المدة فلا يدخل داره إلا إذا أقام ليلة مديح أو قرآن، ويقوم فيها بنحر الذبائح على حسب مقدرته، وبعدها يبدأ في توزيع الهدايا على المهنئين.
الأقصر ـ سحر محمود
