يختزن المكان شبح وطن ما انفك يطارد روحنا المسكونة بوجع العشق الراعف.. ولم ينهكها التعب.. وتختزن الروح تفاصيل (المكان) العابق برائحة الوطن الطالع من عتمة الظلال الى ظلال الحقيقة المضمخة بالياسمين على إيقاع الحكايا التي يخطها العشاق يوميا على دروب المكان.. (القرية العالمية).
وتتواتر الحكايات واحدة تلو الأخرى.. ولا تنتهي مستحضرة جديلتي ابنة الجيران البعيدة الآن، وقوس قزح.. وعيناها اللتان تضعان رماد الملامح العتيقة للذاكرة في زجاجة يعانقها القلب على ضفافه.
* * *
الحكاية الأولى:
التقيته عند أول الطريق المؤدية الى القرية المصرية.. اطرق برأسه وغالب دمعة حارة أبت إلا ان تتدحرج على وجنتيه.. وقال لي: هل سمعت برجل أدمن الإصغاء للسكون.. وإطلاق الزفرات والهمسات بلا معنى؟ مردفا.. نعم هذا هو حالي خلال الأشهر الماضية.. وهنا وعلى هذه الدروب أصبحت أشيائي ذات معنى قبل أيام .
ويوضح بأنه ذات يوم كان له في الوطن البعيد حبيبة تنتظر عودته من العمل بفارغ الصبر على نافذة بيتها ولكن.. ولكن المعدة نجحت في الانتصار على القلب معبدة أمامه طريق الرحيل عن الوطن الذي يرفض ان يبارح روحه.. وعيناها المغروستان ظهره.ويؤكد بأنه عبر لها في الموعد الأخير عن عدم دهشته بقرارها بالابتعاد عنه، بل بدهشته عن الاستمرار بالبقاء قربه خلال الأعوام الماضية!!؟
وهنا وعلى هذه الدروب يعيد (حمدي) كتابة حكاية قصيرة عن امتزاج عينيها بعبير الوطن المقيم.. هنا يطرد السكون ويقرر الإصغاء الى الضجيج الجميل المنبعث من أرجاء القرية العالمية.. التي تحولت الى وطن لمن فقدوا الدفء المماثل والعيون..
* * *
الحكاية الثانية:
قاطعتها وهي تقتات الصمت وحيدة في ذاك الركن القصي من القرية العالمية.. مانعت قليلا قبل ان تسترسل في إجابتها عن سؤالي حول سر الحزن المتبدي في عيونها:
ـ الخريف فصل يداهم النفس، وقد يطول متجاوزا الأشهر الأربعة.. وتقول (نجوى) بأنها لم تتوقع يوما ان تترك دراستها، كما لم يتوقع لها احد ذلك، وما لم يكن متوقعا صنعه ذات مساء حدث جلل هز العائلة بأسرها عندما توفى الوالد اثر نوبة قلبية حادة ربما كانت ضغوط الحياة هي سبب في ذلك.. ربما..
ـ المسؤولية بشكل تلقائي تحولت إليها كونها الأكبر.. ودراستها الجامعية أضحت عصية على الحلم اثناء اللهاث للحصول على لقمة العيش للصغار الذين لم يفهموا المعنى الحقيقي لرحيل الأب في غفلة من الزمن.. ويزداد اللهاث.. وتتقطع الأنفاس والناتج لايكفي للشيء القليل..وكان القرار الصعب وسط دموع الأم التي لم تعتد على فراق ابنتها الصغيرة.. الحبيبة.. وغادرت نجوى دون التفاتة للخلف لأنها لو فعلت لربما تغير القرار.
وتقول إنها ومنذ وصولها منذ سبعة أشهر وهي تغرق نفسها في العمل حتى لاتمنح القلب فرصة للبكاء على الأحبة البعيدين، وأكدت لي بأنها تجعل صديقاتها يقرأن رسائل عائلتها ويبلغنها فقط بالأشياء المهمة لأنها لا تستطيع ان تقرأ تلك المفردات النابعة من القلب.. قلب أمها وأشقائها..
مؤكدة بأنها وفي القرية العالمية منحت نفسها الحق ولأول مرة لاستحضار صور الأعزاء الغائبين، مشيرة الى أنني بمقاطعتي لوحدتها بددت بعض ملامح صورة أمها التي كانت تجالسها في هذا الركن القصي.. و... تركتها مودعا لتعيد تركيب وترتيب صورها وفق أبجدية القلب الذي بكى.. أخيرا في القرية العالمية.
* * *
الحكاية الثالثة:
تمهل قليلا.. كل القلب سنعطيه لاسمك الذي يسكننا..
توقف للحظة.. سيعانقك اقرب مرفأ في عيوننا.. فلا ترحل..
الموت ينتشر في كل مكان، والأطفال كبروا قبل الأوان، أمهات أصبحن اكبر من الحزن الذي رسم الدم لونا آخر لقلوبهن التي تأبى الانكسار..
(جاسم) غادر على عجل قريته التي يعبق هواؤها بالموت والدمار، قاوم وزملاؤه الموت بشراسة إلا ان الإمكانيات البسيطة جعلت الاستمرار في ذلك لعبة ( سيزيفية).
- الأخبار تتوالى من الوطن الذي أصبح ورائحة الحرب والموت صنوان، محاولات حثيثة لتجاهلها من قبل جاسم.. يغرق نفسه في العمل عله ينجح.. ولكن دون جدوى.. وجلس في منتصف الطريق المؤدية الى القرية العراقية.. النموذج المصغر لوطنه في القرية العالمية مكررا محاولة النسيان..
إلا ان الأضواء التي تنوس عن بعد تعيد تركيب ملامح الوطن العصي على السقوط.. و.. وتركته وحيدا يحتضن أطياف زوجته وأطفاله الثلاثة الذين دفنوا تحت الأنقاض بفعل قصف الطيران المعادي ذات مساء. و.. وتتوالى الحكايات.. يتشابه بعضها في التفاصيل وتختلف في الأسماء.. حكايات تشبهنا.. ونشبهها.. ولكنها جميعا تعتصر القلب المتمرد على كل شيء إلا.. العشق.
خالد اللوباني



