«المواهب الجلية تنضج متأخرة» هي حكمة «تاوية» ربما تكون قد أطلقت قبل مئات السنين، إلا أنها بشكل ما تلخص واقع الحال لمهرجان دبي الذي يشهد هذا العام انطلاقته الحادية عشرة، محققاً الكثير من الحضور إقليميا عالمياً، حتى بات زواره من بقاع الأرض المختلفة يعمدون إلى تنظيم برنامج إجازاتهم ورحلاتهم السنوية مع بدء انطلاق فعالياته.
فما جعل لهذا المهرجان الحديث نسبياً كل هذا الحضور و السمعة الدولية بالتأكيد جملة من المعطيات والشروط التي ربما لم تتوافر للكثير من المهرجانات العالمية التي تقع في دائرة المنافسة له والتي مضى على انطلاقتها ربما أكثر من خمسة أو ستة عقود ، هذه المعطيات التي باتت تمثل عاملا ملحا بضرورة إعادة النظر في اسم المهرجان «مهرجان دبي للتسوق» والسعي لتعديله ليكون ممثلا لكل ما يشتمل عليه من فعاليات مهمة.
معطيات حقيقية
كان واضحاً أن دبي عندما أطلقت مهرجانها في نسخته الأولى تسعى إلى دفعه ليحفر لنفسه مكاناً مهماً وأساسياً بين أقرانه في مختلف أنحاء العالم.. عبر جملة من وسائل الدعم لتنفيذ فعالياته بشكل ناجح ومرضٍ، والتي يقف على رأسها العقلية الإدارية المتميزة التي تقف خلف تنظيم فعالياته.. والتي تكون في كل عام موضع تقدير الزائرين بتوفيرها لكافة المعلومات لهم والتي تضمن وصولهم إلى مواقع الفعاليات بسهولة ويسر، إضافة إلى الاستجابة لطلباتهم والرد على الشكاوى بجدية ودونما إهمال.
دعم اقتصادي
النجاح الكبير من قبل إدارة المهرجان في توفير الدعم لمختلف فعالياته عبر دفع العديد من الشركات والمؤسسات الاقتصادية الكبرى للتسابق على رعاية هذه الفعاليات شكل بالضرورة معطيً أساسي للتطوير الكبير الذي نشهده كل عام لما يقدم في إطار هذا المهرجان من فقرات وبرامج من مختلف الأشكال والألوان، وهذا النجاح الإداري بالتأكيد لم يأت من فراغ..
فقد شكل النجاح المدوي للمهرجان عاماً إثر عام حافزاً لهذه الفعاليات الاقتصادية لرعاية تفاصيل المهرجان انطلاقاً من حقيقة أن هذه الرعاية توفر للشركات والمؤسسات الاقتصادية قدراً كبيراً من السمعة المحلية والعالمية والدعاية ربما كانت تحتاج معه إلى دفع أضعاف ما دفعته في رعاية الفعاليات لتحقيق هذه السمعة والترويج. وهذا بدوره عكس فعلاً حقيقة النجاح الكبير للمهرجان بحيث لا يمكن لمؤسسة اقتصادية ربحية أن تدفع أموالاً لجهة ما دون أن تضمن مردوداً يفوق كثيراً الثمن الذي دفعته.
الاهتمام الكبير بتحفيز الرعاة الاقتصاديين في الدولة لفعاليات المهرجان لم تتوقف عند حدود الجهد المبذول من طاقم العلاقات العامة في الإدارة بل وصل إلى قيام الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع بتكريم هذه الجهات الراعية في حفل كبير يجري تنظيمه كل عام في اليوم الأخير للمهرجان بما يمثله ذلك من تحفيز لهذه الجهات عبر الإحساس الذي يصلها بالاهتمام والاعتراف بأهمية دورها.
التنويع المدروس
كان للتنويع في الفعاليات التي يتضمنها المهرجان كل عام، والبحث عن كل ما هو جديد لتضمينه فيها دورا كبيراً في الإقبال المتزايد للجمهور على المتابعة الجدية.. وأقصد هنا الجمهور من مختلف الجنسيات التي تجد جميعها ما يمثلها ثقافياً وفنياً ونفسياً.
فقد بادرت إدارة المهرجان لاستقدام الفرق الفنية والمطربين من مختلف بقاع الأرض سعياً للاستجابة لرغبات المواطنين والمقيمين في الدولة الذين يمثلون الكثير من شعوب العالم إضافةً إلى إطلاق فعالية القرية العالمية والتي كانت ربما هي التنويع الأهم في تفاصيل المهرجان بما تتضمنه من ألوانٍ مختلفة تمثل أبرزها في القرية الخاصة بكل دولة
حيث يجري عرض تراث هذا الشعب ومختلف ملامح الثقافية إضافة إلى المعالم السياحية والجغرافية لهذه الدولة، كما توفر القرية العالمية للدول المشاركة فيها عبر قراها فرصة تسويق منتجاتها المختلفة والتعريف بها للجمهور العالمي إضافة لعقد صفقات تجارية بطريقة فيها الكثير من السلاسة، حيث كانت هذه الدولة أو تلك ستحتاج إلى إجراءات معقدة للوصول إلى هذه النقطة.
كما تشهد يوميات القرية العالمية الكثير من العروض الفنية المختلفة من كل بقاع الأرض في شوارعها مع قيام العديد من أبناء هذه الشعوب بتقديم عروض ميدانية للجمهور للتعريف بالمهن والحرف التقليدية لهذا البلد أو ذاك، بما يوفر متعة إشباع الحنين من أبناء البلد المعني والمعرفة بالآخر من قبل أبناء الشعوب الأخرى.
ويشتمل المهرجان أيضاً على فقرات خاصة بالأزياء والتجميل بما يرضي أذواق البعض الذي ينتظرها على أحر من الجمر. وفي الجانب الثقافي يقدم المهرجان العديد من الفعاليات تتضمن معارض وورش عمل للفن التشكيلي، وأخرى للخط العربي، بالإضافة للتصوير الضوئي.
شمولية الاهتمام
وما شكل دعماً لتطوير المهرجان بالإضافة لعملية التنويع الدءوبة لفعالياته منح كل واحدة من هذه الفعاليات حقها من الدعاية والترويج الإعلاني والإعلامي، وتعريف الجمهور بها، وتيسير وصوله إليها في المواعيد المحددة، وهو بالضبط ما ميز مهرجان دبي عن غيره من المهرجانات، وهو شمولية وتنوع الفعاليات ومنحها الاهتمام اللازم كل واحدة على حدة،
بعكس العديد من المهرجانات الدولية عربية وعالمية والتي تقدم نفسها للجمهور على أنها شاملة ليفاجأ بأن المهرجان يركز على واحدة محددة وتتحول الفعاليات الأخرى إلى مجرد ظلال هزيلة للفعالية الأساسية، والتي تحولت في بعض المهرجانات إلى الغناء أو التسوق أو المسرح... إلخ.
ملاحظة ضرورية
التنويع الكبير الذي يشتمل عليه المهرجان على الصعيد الثقافي والفني والترفيهي والتجاري بات يطرح سؤالاً ملحاً على اللجنة المنظمة مضمونه: متى سيتم إعادة النظر في اسم المهرجان «مهرجان دبي للتسوق» وتعديله؟ ألا يرون بأن العنوان يضيق الخناق على المضمون؟ فالمضمون بات أكبر بكثير من جزئية التسوق التي يتضمنها المهرجان.. ألا يرون بأن العنوان الأصح هو.. «مهرجان دبي»؟
خالد اللوباني



