«إنهم يمنعون التساؤل.. إنهم بالتأكيد يطلقون الشر من عقاله» هذا ما قاله توماس هولكروفت ذات يوم.. وحملته معي دوماً في رحلة العناء.. أبيض الشعر.. فقررت إخماد جذوة الاستفهام.. إلى أن كان ذلك اليوم الذي وقفت فيه للمرة الأولى أمام بوابة القرية العالمية منذ أربعة أعوام.. هولكروفت ينهض معتلياً صهوة الرماد.. ويضيء في داخلي أسئلة الألوان.. والأضواء..
ـ ما الذي يريد قوله انعكاس الضوء على وجنتيّ تلك السيدة المتشحة بالسواد والتي تجلس على مقعد عند الحد الفاصل بين منطقتين داخل القرية.. أحداهما تحيلها الأضواء إلى نهار ذي شمس ساطعة، وأخرى تجتر الظلام وحيدة إلا من بعض الأشخاص المتباعدين الذين يدخلون في حوار أبدي مع المكنسة.. إنهم عمال النظافة..
ـ ما الذي تفعلينه هنا وحيدة يا سيدتي والآخرون يتلفعون بالضياء على بعد أمتار منك..؟
ـ اللونان لدي مجتمعين.. فهناك تحت أمطار الضوء المنهمر يعتلي أطفال أبني صهوة براءتهم ويلعبون.. وأنا هنا أجلس في منتصف المسافة مع طيف ولدي الذي رحل قبل عامين في حادث سير.
.. هل صنع المهرجان تلك الزاوية التي تقع بين لونين خصيصاً لهذه السيدة..؟!
* * *
تمهل قليلاً.. سنعطي اسمك بقايا الروح.. وندير الدفة إلى حيث أول الطريق.. فهناك ينتصب قنديل الضوء الكبير الذي أعتدت أن تجلس قربه.. واعتدنا أن نجدك هناك.. عندما يلتهمنا الزحام والنور وضجيج الألوان في القرية العالمية.
ـ أين انتهى بك المقام الآن..؟ فها أنذا أجلس وحيداً على المقعد نفسه وتحت القنديل الكبير نفسه.. هل تراني..؟
كان سامي يجلس دوماً هناك يحمل بداخله قناعة أكيدة بأن أحباءه البعيدين سيكونون قادرين على رؤيته من أماكنهم القصية..
مرددا: النسيان تصنعه الألوان القاتمة.
* * *
لله درك ياروزا إلى أين تقودك الخطى السريعة وأنت تتركين أصدقائك خلفك.. تعبرين البوابة الكبرى المشيدة بالأضواء والألوان..؟
لا تبتعدي كثيراً يا روزا.. لا تتوغلي أكثر.. فما تبحثين عنه.. قريباً جداً.. ويحيط بك من كل الاتجاهات..
أصدقائها يشيرون لي بأن أدعها وشأنها لأنها لا تستمع لأحد عندما تلج بوابة القرية..
ـ ولكن ما الذي تبحث عنه..؟
ـ الألوان المتعددة.. هو هدفها.. جاءني الرد من الجميع.. فهي تمضي يومها الطويل في العمل الذي لا يمكن تسميته إلا بالشاق.. والذي يرسم يومها بلون واحد..
روزا الفلبينية عانقت بشدة ألوانا كثيرة في تلك الليلة.. وتلاشت في الزحام.
* * *
بشارع أقل ضجيجاً كان يحلم.. بشاطئ تختفي منه الأقدام الضخمة.. والبشعة..
ـ عندما يدنو الموت من حواف الروح.. يخرج علينا كغجري بعباءته المزركشة بشتى الألوان شاهرا سيفه يطرد ظلالا سوداء ألقت بنفسها في أحضان الشارع المجاور.
ـ من أنت..؟
و.. ويتركنا دون جواب مواصلاً حث الخطى إلى النقطة الأبعد في القرية العالمية.. نستوقفه مرة أخرى..
ـ إلى أين ..؟
.. بابتسامة عريضة بادرنا بعد أن تمهل قليلاً.. وقال ياصديقي العزيز.. عادة أحضر إلى هنا بهدف التخلص من الأسئلة وهرباً من الأوامر.. فخفف من لهجتك أرجوك..
ـ هل لي بمعرفة لونك المفضل.. تزداد مساحة ابتسامته..
ـ منذ أكثر من خمسة أعوام وأنا أطارد في المهرجان ألواناً جديدة.. ودائماً كان يحالفني النجاح.
- ولكنك لم تجب على سؤالي.. ماهو لونك المفضل؟
- رغم توجهيك لي أسئلة سينمائية إلا أنني سأجيبك ..أنا اكره اللون الواحد!!!
* * *
ـ عندما تخطفني لوعة الدروب.. أركن بصمت بانتظار اللحظة التالية.. و ..
وعندما أمتص بقايا فنجان القهوة.. تشتعل التفاصيل و..
.. ورأيته في أول الليل يخاطب قمراً أرجوانياً مر فوق المكان.. الحوار كان مغرقاً في الرمزية.. ربما حاولت جاهداً فهم مفرداته.. وقد أكون نجحت.. كماقد أكون فشلت.. إلا أنني بالتأكيد فهمت الحوار كما أريد..وكما ينبغي..
ـ هل وصلتك رسائلي ؟.. هل حملت إليك أحزاني الكبيرة..؟
* ...!
ـ ربما أكون قد بالغت في غضبي.. ولكن ما هو أكيد أن روحي تدحرجت على الرصيف لحظة مغادرتك
* ...!
ـ وما هو أكيد أيضاً أن الحياة أصبحت خاوية.. وتدثرها البرودة عندما رحلت..
* ...!
ـ وعندما رحلت حملت معك كل الألوان.. وفقدت أنا وبيتنا الهوية..
* وإذا عدت هل ستكون هذه آخر التجارب السوداء..!!؟
تلفت حوله بحثاً عن مصدر الصوت.. فشاهد ذلك القمر الأرجواني يحط إلى جواره و.. و يسيران جنباً إلى جنب نحو منبع الضوء والألوان.
* * *
امرأة مجهولة كانت تأتي يومياً عبر البوابة رقم (4) للقرية العالمية تشتري أكثر من حزمة ورد من الشقيقين المعاقين.. المرأة المجهولة كانت دوماً تشتري وروداً حمراء.. ولم يتمكن احد من معرفة لمن كانت تقدمها..
... المرأة المجهولة.. رفضت أن تعرف عن نفسها. أو تكشف سر الورود الحمراء..
لينضاف هذا السر إلى الكثير من أسئلة الألوان التي يختزنها المهرجان..!!
خالد اللوباني

