حينما اصطحبت جدتي في مهرجان سابق الى قرية التراث والغوص لم يخطر ببالي لوهلة أن تبتهج سيدتي السبعينية بمجرد عبورنا البوابة الرئيسية للقرية، كما يفعل طفل تائه لدى رؤيته والدته فجأة وسط الزحام، تلك البهجة التي أعشقها وشت بوجه ملائكي يختبئ وراء برقع عتيق، أثارت فضولي النسوي والصحافي معا،

وقبيل أن أمارس تطفلي تراجعت وأنا أحث الخطى لاحقة بجدتي التي سبقتني الى خيمة البدو حيث تجتمع مجموعة من السيدات، في تسامر لذيذ لم يوقفه انضمامنا اليهن، بل على العكس تماما فقد رحبن بحفاوة بقدومنا، وسرعان ما تجاذبن أطراف الحديث مع جدتي حول سحر الماضي وسخائه مع البشر على الرغم من ضنك العيش ومشقة الحل والترحال ولهيب الرمضاء،

وازداد الحديث متعة وحلاوة خصوصا بعد أن تبارت المتسامرات فيما بينهن في القاء أروع أبيات الشعر النبطي في الهيام والغزل و محبة الوطن، وكان ركن المأكولات الشعبية والحرف اليدوية محطتنا الثانية، وهنا قالت لي جدتي معاتبة بحنانها المعهود

(كنا نتفنن منذ نعومة أظفارنا في إعداد وابتكار مختلف أنواع المنتجات والأدوات التي ترينها الآن في أيدي أصحاب الحرف اليدوية بالمرونة والاستمتاع ذاته اللذين يحظى بهما جيل اليوم خلال تصفحه لشبكة الانترنت)، حقيقة أحرجتني كلماتها بقدر ما أثلجت صدري صحبتها.

وكلما زرت اليوم قريتي الغوص والتراث في منطقة الشندغة أو حتى مررت بالقرب منهما أشعر بالدفء والحنين يغلفاني و يشداني الى المكان الذي تجولت فيه جدتي رحمها الله ، وأحبته، فحكت للجميع عنه.