«كرداسة» تلك القرية الصغيرة التي أصحبت تمثل جزءا مهما من موارد العملة الصعبة بالنسبة لجمهورية مصر العربية ونموذجا مكتملا للعمل الأسري وإتقان عمل الفرد، تعد اليوم من أشهر القرى في المنطقة لما لها من دوي هائل في دول العالم لاقتران اسمها بمنتجات خاصة بها وتحمل من الإتقان ما يجعلها تتبوأ مكانة مميزة بين الأماكن الصناعية الأخرى على مستوي العالم، وهي تعتبر أيضا من أهم المزارات السياحية للعرب والأجانب على السواء فوجودها بالقرب من أهرامات الجيزة واتسامها بالطابع البدوي الأصيل جعلها مقصدا للبعض، إلى جانب انتشار مظاهر الحرف القديمة، وما يدل عليها بين أسواقها، مما جعل لها مذاقا خاص لا ينساه كل من يراها..
ولهذه القرية حكاية طريفة. كانت آمال فتحي السفيرة السابقة بوزارة الخارجية المصرية، ومعها حرم د. بطرس غالي في زيارة للقرية ولفت انتباهها المنتجات اليدوية الرائعة، فطلبت على الفور من أهالي كرداسة المشاركة بمنتجاتهم في معرض خيري يقام بنادي الوفاء والأمل الذي ترعاه، وسرعان ما وجدت هذه المنتجات قبولا منقطع النظير من الدبلوماسيين الأجانب والسياح والزوار، وكانت البداية للانطلاق والشهرة لهذه القرية، التي كانت حتى اللحظة مغمورة جدا، ومنها غزت منتجاتها العالم العربي وأوروبا وأميركا وضربت شهرة المنطقة كل أنحاء العالم، وبدأت الطلبات ترد إليهم باستمرار لتنتعش الحالة الاقتصادية لسكان القرية وتتفرد المنطقة بخاصية فريدة بفضلها. تطورالحرفة في فترة الثلاثينات كان يتم تصنيع الزي الخاص بأهل سيناء من البدو في كرداسة، حيث لاقت هذه المنتجات اليدوية إعجاب زائري مصر من الأشقاء العرب، فطالب سائحو ليبيا والسودان أهالي كرداسة بتصنيع زي يضارع هذا الزي، وذلك لما بينهما من التقارب والتشابه ومناسبته للبيئة التي يعيشون بها، ولبى أهالي كرداسة ما طلب منهم، فقاموا بتصنيع «الجرد» و«العصبة» و«الفركة» و«العبروق» لليبيا و«الحمودية» و«الفركة» و«القرمصيص» للسودان ثم فطن بعض الدبلوماسيين لمعرفة الطريق إلى كرداسة للشراء من المصدر نفسه، بدلا من الشراء من خارجه، وأقيمت بعض الحفلات ـ بعد ذلك ـ بهذا الزي الكرداسي وكانت تحمل عنوان «جلابية بارتي» ثم تطورت الفكرة عن طريق إحضار بعض الماكينات، ليتسنى للمتعجل أن يحصل على «جلابية» جاهز من تصميم كرداسة في أقرب وقت، كما تم إدخال بعض التطريز على هذه الأقمشة المشغولة باليد، وإضافة الخرز والترتر وعمل «العباية» و«البشت» و«الشيلان».
المجتمع الكرداسي
ولا يفوتنا الكشف عن طبيعة التعاون القائم بين أبناء كرداسة في إخراج هذه المصنوعات البديعة وتقديمها للسائح، فيقوم الأب بنسج القماش على «النول»، ثم يبدأ دور الأم التي تقوم بتجهيز الخيوط وتلوينها وتدويرها على مواسير من غاب وتسمى هذه العملية ب(الكرة)، أما الابنة فتقوم بتفصيل هذا القماش لعمل الفستان اللازم وحسب الطلب، وأخيرا يأتي دور الابن فيقوم بتطريز الرسومات والمطبوعات، وكذلك البنات يقمن بالتطريز أيضا ولكن ب(الإبرة) فيطرزن بالخرز أو الترتر أو بفصوص من الألماس والإكسسوارات ما قام بنسجه الأب والأم بتلوينه، فتعد كرداسة أسرة واحدة تلتقي في عمل واحد يعرض في شارع يقع أول القرية، ويسمى بالشارع السياحي، والذي يمتد إلى أعماق القرية، وهو يشبه شارع الموسكي بالعتبة في القاهرة، حيث يتم طرح جميع منتجات كرداسة اليدوية وعرضها في بازارات كبيرة، معدة خصيصا لهذا الغرض، ولن ينسى أبناء كرداسة فضل الرجل الأول، والذي أوجد هذه الصناعات وعلمها لأبنائه وأبناء القرية بعد ذلك، وهو الحاج عبدالحميد عيسى، الذي توفاه الله منذ أكثر من عشر سنوات.
وكان ل(كرداسة) الفضل في توطيد فكرة الجلابية بشكل يلزم الفلاح المصري، بعد ما كانت خاصة بابن البلد والصعيدي.. كما كانت هي رائدة في ميلاد الأسرة المنتجة التي بدأت تنتشر في النجوع والقرى في مصر والعالم العربي. منتجات عالمية وقد غزت منتجات كرداسة اليدوية العالم العربي وأوروبا منذ عهد بعيد، فمثلا تصدر كرداسة إلى الكويت: «الشت» و«الدراعة» و«الشيلان» و«الكليم العربي» و«المساند» و«الخرج»، وإلى قطر تصدر الجلابية وبعض المنتجات الأخرى، أما المملكة العربية السعودية، فصاحبة النصيب الأكبر في استيراد المنتجات اليدوية ذات الطابع البدوي.
أما الدول الأوروبية فكرداسة غزت أميركا مع منتجاتها من «الكليم» المرسوم بمناظر طبيعية، حتى أصبحت الرائدة في تنفيذ لوحات كبار الفنانين العالميين في صورة كليم يعلق على الحائط، وكذلك يمكن لأي مشغل في كرداسة أن تعطيه فكرة أي عمل فني من اللوحات أو المناظر الطبيعية، فيبدأ في تنفيذها بدقة حسب الألوان والأحجام المطلوبة، كما تصدر القرية منتجاتها إلى فرنسا وألمانيا وهولندا وكندا، وبعض الدول الأوروبية الأخرى إلى جانب ذلك فإنها ذات طبيعة خاصة تتجلى في ريفها وحدائقها وروضاتها والمناظر الطبيعية الخلابة الممتعة.
لوحات فنية
يقول محمد عيسي نجل الحاج عبدالحميد عيسى، الذي يعد مؤسس الصناعات اليدوية عن طبيعة العمل اليدوي في قرية كرداسة: إن القرية رائدة في توطيد فكرة إظهار «الجلابية» بشكل يلزم الفلاح بعد ما كانت خاصة بابن البلد والصعيدي، وكذلك فإن كرداسة هي المثال الحي على ريادة الأسر المنتجة، التي بدأت تعم ربوع النجوع وقرى مصر والعالم العربي، بالإضافة إلى وجودها في حواري وشوارع المدن الكبرى، مثل الإسكندرية، وتطوير كرداسة لهذه المنتجات اليدوية نادى به الرئيس الراحل محمد أنور السادات عندما قال: أنا أريد كرداسة جديدة في مدينة 6 أكتوبر، فأنامل بنات كرداسة وسواعد شبابها وخبرة شيوخها هي التي تستطيع أن تضع تاج الإنتاج على رؤوسها.
وأضاف : منذ ذلك الحين قمنا بتصدير منتجاتنا إلى جميع الدول العربية والأوروبية إلى جانب أنها أصبحت الآن الرائدة في تنفيذ لوحات كبار الفنانين العالميين في صورة كليم يعلق على الحائط، حتى أننا نفذنا صورة الشيخ جابر الصباح رئيس الكويت وأعطيت كهدية له عند زيارته للقاهرة، كما أن أهالي كرداسة يقومون بتطوير منتجاتهم حتى يستطيع أي سائح أو زائر لكرداسة أن يجد الجديد في السوق الكرداسي يوميا، وتصدر الفكرة إلى وسط القاهرة لبيعها على شكل منتج نهائي أو فكرة.
القاهرة ـ حازم خالد

