ـ عند حدود الغياب تأتي.. ترسم ملامحنا المقبلة..تنقط حروفنا وتلقى بنفسك حزمة ضوء في ليلنا ولا تنزوي..
ـ أزفت الساعة، والقلب يدق بعنف جدران الخزان.. وينسل سريعاً.. مطلقاً خيول الفرح لتلون بصهيلها بوابات اختزنت ذاكرتها وجوه مضمخة بالأمنيات والبسمة مثلت تفاصيل المشهد الأخير للعام الذي انقضى...
ـ نطرد ملامح طارئة من القلق.. والتجهم.. والأحزان نمسح ويمسح جدائل من فضة وأقحوان لصبية فرت إليه من دهاليز المشاعر المحايدة.. ملقية بنفسها في أحضانه، تعيد تشكيل التفاصيل للمشهد الجديد من العام الحادي عشر لحياكة الأناشيد والفرح.
(أين أنت..؟)
ويأتيك الجواب.. : تاهت في الزحام.. واقتفت أثر زهرة برية تسللت إلى القرية العالمية ناثرة عطرها في الدروب، تغسل مشهد الموت المعشش في قلبها.. والذي صنع في لحظة غياب.. رحل فيه الأحبة : الأم والشقيقتان دون وداع..
«ربى» قالت.. في ذاك اليوم عندما فجر الإرهابي نفسه بين المدعوين في حفل الزفاف في العاصمة عمان لم يفتت جسده أو أنه أفسد العرس فحسب.. بل كان قد انتزع الفرح من قلبي.
«والدها» قال.. منذ الحادث البشع و«ربى «تسعى إلى اختزان كل حزن الدنيا في قلبها وتطرد احتمالات أقمار مضيئة تظلل سماء البيت..
الجميع يحاول المساعدة والمواساة.. لكن وجوه الأحبة عصية على النسيان.. وتصر على التحليق في فضاء الذاكرة..
... «ذات يوم قالت الأم سميرة بأن أمنيتها أن تسمع صدى خطواتها في دروب القرية العالمية في دبي..؟!
وكانت المحاولة الأخيرة لتحطيم متاريس قاتمة من نفس «ربى»
«والدتك» حملت ذات يوم أمنية.. هل أنت على استعداد لتلبيتها..؟!ـ
ـ «ربى» تسمع صدى خطى أمها في دروب القرية العالمية.. وترسم ابتسامة هادئة على شفتيها.. وتمسح عينيها اللتين تعانقان ثلاثة أطياف يحلقون في سماء القرية.. والقلوب.
«ورود صامتة.. يجافيها البوح هو.. المنفى»
هذا ما قاله لي صديقي «ناصر» رسام الكاريكاتير الجميل الذي امتطى ذات يوم عربة مغادرة إلى «الولايات المتحدة الأميركية» وترك فضاءاتنا الضاجة بالفوضى.. والجوع.. والهراوات.. والحلم.
.. غادر إلى هناك وجئت أنا إلى هنا.. سألته قبل الرحيل: إلى أين تمضي.. ؟ قال لي ما قاله كافكا: (ليس مهما.. المهم بعيداً عن هنا) الأيام طوت الأيام.. والأعوام طوت الأعوام ولم تحمل خبراً عنه..
بحث هو عن الأفضل كما اعتقد!! لأنه لم يتقن أو لم يستطع تحمل المعدة الخاوية والأصابع المهشمة.. والنظرات الخاوية من المعاني في عيون أطفاله.
.. الصدأ التهم المكان.. وتراكمت أحلامه بصمت فغادر بهدوء..
الأسبوع الماضي حمل الأثير صوته من تكساس قائلاً.. المنافي ورود لا عطر لها نمت وترعرعت على أحزاننا وألمنا.. قال لي الكثير.. وأكد لي بأنه قادم هذا العام لزيارة مهرجان دبي وليستعيد في دروب القرية تلك الوجوه التي أضاعها ذات يوم.. وليتنسم عبير زهرةٍ برية تمخر عباب المهرجان.. وافتقدها كثيراً
****
رفضته أمكنة.. واحتضنته أرصفة.. ولم ينكسر.. وقادته الخطى إلى «دبي» للعمل. وعيناها كانتا دوماً تنشران الدفء في لياليه الباردة.
«حسن» منعته ظروف الاحتلال وظروف أخرى من رؤية والدته لأكثر من خمسة عشر عاماً.
التقيته قبل أيام وكان منشرحاً على غير عادته.. ولما سألته عن السبب قال لي.. أخيراً ستسنح لي الفرصة لاحتضان أمي.. وتابع ضاحكاً.. لقد اتصلت بي وأخبرتني بأنها قادمة إلى دبي.. مشترطة عليَّ مشاهدة فعاليات المهرجان.
«حسن» أكد لي بأنه لم يكن ينتظر مثل هكذا شرط من أمه ليقودها في دروب المهرجان.. فكم بحث عنها في وجوه النساء اللواتي تغص بهن دروب الفرح في المهرجان وكم منع نفسه في اللحظة الأخيرة من عناق سيدات يشبهنها.. وكم.. وكم عاد كسيراً إلى غرفته الباردة يعصره الحنين.. ويعاقر اللا جدوى!! وهاهي ستكون إلى جانبه قريباً.. ويكون في أحضانها ويتوج شعرها بزهرة برية يقطفها من جنبات الدروب في المهرجان.
.. أبكيتها كثيراً.. وأبكتني كثيراً.. ولكنها تواصل إلقاء أسئلتها الأبدية عليَّ.. هل أكلت جيداً.. ؟ هل تغطيت جيداً..؟ و..عد باكراً إلى البيت..
ولكني لم أعد بعد ؟ وما زالت تنتظر !!
****
ـ إغواء السعادة التي غمرته ذات يوم وقبل عام بالتمام والكمال من هذا اليوم.. دفعه للاحتفال بالمناسبة بتقديم إجازة من عمله لاستعادة اليوميات الأجمل لحياته.. عندما التقاها للمرة الأولى وكانت تشرح للجمهور الذي تجمع حولها تفاصيل وشروط الاشتراك في المسابقة التي ستختتم مع نهاية فعاليات المهرجان بفوز أحدهم بسيارة جميلة.. شيء ما تحرك بداخله.. فوقف بين الجمع الذي تدافع لشراء تذاكر المسابقة.. واشترى هو أيضاً تذكرة ولكنه لم يبرح مكانه..رمقته بعمق..واعترفت لاحقا بأنها لم تعرف ما الذي باعته في ذاك اليوم.
وحان موعد الاحتفال بالإعلان عن أسماء الفائزين بتلك المسابقة.. اسمه لم يكن من ضمنهم..وهي لم تكن هناك للإعلان عن الأسماء.. فقلباهما كانا يتعانقان في اللحظة نفسها في ركن قصي من احد المطاعم وشهودهما شموع تؤرخ للحظات مقبلة.
«جمال» قال بأنهما قررا ومنذ ذاك اليوم الاحتفال سنويا بالذكرى في دروب القرية العالمية التي شهدت نمو البراعم الأولى.
****
...يتعقبنا الليل والضجر.. و..
ونعصر المدى كأس نبيذ لارتعاشات القلب الذي ينوس في مرافئ العمر ولا يجد مكانا ليلقي بمرساته...
ـ تعالى.. تعالى إلي..ضم أشرعتك إلى صدرك وعانق معي منارة من بلور في دبي تشعل الدفء والحنين في قلوب طحنتها ليالي الغربة الطويلة..
ـ قالت لي: كم أحب إطلالة المهرجان لأنه بالإضافة إلى يومياته الجميلة فهو يقدم لي فرصة العمر لرؤية شقيقتي التي تنتظر قدوم المهرجان بشوق شديد لتأتي من البرازيل التي احتضنتها وأسرتها منذ سنوات..
وتضيف بأنه ومنذ اكتسب المهرجان سمعته العالمية أصبحت قادرة على رؤية شقيقتي التي تلقي بنفسها ومنذ اللحظة الأولى لوصولها في أحضان المهرجان.. وكأنها لم تمل السفر حيث تواصل الارتحال قي دروب القرية العالمية..ربما تطارد زهرة برية لم تجد أثرها في البلاد الغريبة..؟
****
خالد اللوباني
