ينشغل المجتمع التشيكي بكافة فئاته القانونية والاجتماعية والثقافية حالياً بقضية أعادته بالذاكرة إلى بدايات القرن العشرين، وتحديدا إلى أسرار عائلة فرانتيشيك فرديناند دي إستي ولي عهد إمبراطورية النمسا - المجر، الذي ساهمت عملية اغتياله في ساراييفو عام 1914 باندلاع الحرب العالمية الأولى.
والقضية فجرتها ابنة حفيدة دي إستي، الأميرة صوفيا هوهينبيرغ، وهي من سلالة النبلاء الذين تمتد جذورهم عميقاً في التاريخ الأوروبي العريق، حيث جاءت إلى تشيكيا أخيراً لتطالب باستعادة قصر جدها الأكبر في منطقة كونوبيشتيه، والذي يبعد حوالي ثلاثين كيلومتراً عن العاصمة براغ. وأوضحت الأميرة بأنها ستسعى للحصول على القصر بكل ما يتضمن من تحف وكنوز لا تقدر بثمن، معتبرة بأن استعادة المكان الذي كان يقيم فيه جدها هو حقها الطبيعي، خصوصا وأن الدولة التي كانت قائمة في تلك الفترة استولت عليه قسرا.
وأثار هذا الموضوع ردود فعل عنيفة داخل المجتمع التشيكي، الذي آمن لفترة طويلة بأن قصر كونوبيشتيه هو رمز من رموز الحياة الثقافية للبلاد، التي لا يمكن التفريط بها بهذه البساطة، وبالتالي لا يمكن لأي شخص المجيء بعد هذه الفترة الزمنية الطويلة لكي يأخذ ما أصبح ملكا للشعب بأكمله .
ولأن الأميرة لا تفهم لغة التأميم والمصادرة التي اتسمت بها الحقبة الشيوعية الماضية، فإنها لم تفهم بطبيعة الحال هذه النبرة التي اتسمت بها تصريحات بعض الملمين بهذه القضية، ولم توافق بالتالي على أن القصر هو ملك للشعب التشيكي لأن جدها الأكبر بكل بساطة لم يبعه لأي طرف .
وهذا يعني بأن الأميرة قررت اللجوء إلى القضاء لكي تأخذ حقها مجدداً، مع حرصها على التأكيد بأنه في حال تمكنت من استعادة القصر، فإنها ستحافظ عليه كما هو، وبالتالي لن تغلقه أمام السياح . ويتبين من تفاصيل القصة الأصلية التي بدأت تتضح معالمها حالياً، بأن الدولة التشيكوسلوفاكية أمّمت قصر كونوبيشتيه مع ممتلكات عائلة أخرى من النبلاء هي هابسبورغ في بدايات عهد الجمهورية الأولى حوالي العام 1920 تقريباً، وبالتالي فإن الموضوع لا يخضع لقانون إرجاع الممتلكات، التي أممها النظام الشيوعي السابق بل إلى نظام قانوني آخر.
ولكن قصة فرديناند دي إستي لا تنتهي عند هذا الحد، حيث تشير التفاصيل المثيرة التي بدأت تتكشف تباعاً، بأن ولي العهد المذكور اقترن بزوجته التشيكية الفقيرة جوفي بعد قصة حب جامح تسببت له بمشكلات كثيرة مع عائلته، ثم اضطرته لاحقاً للتخلي عن كافة امتيازاته المرتبطة بعرقه، ومنها التخلي عن حق وراثة العرش، أو توريث أطفاله سلالة النبلاء وما يرتبط بها من منافع أخرى.
وانطلاقاً مما سبق، فإن جميع الأبناء الذين خرجوا من هذا النسل لا يعتبرون أمراء وفق المعايير المتبعة آنذاك، وهنا بالتحديد يكمن حجر الزاوية الذي ستعتمد عليه الأميرة المذكورة أمام القضاء التشيكي، حيث ستزعم بأن القصر المذكور لم يكن ملكاً لسلالة النبلاء من عائلة هابسبورغ، بل لأحفادي إستي الذين جُرّدوا من اللقب وبالتالي يحق لهم استعادته
براغ ـ حسن عزالدين:
