أكد رئيس الوزراء البريطاني توني بلير أن التقدم العلمي ضرورة حتمية لتحقيق النجاح الاقتصادي المنشود من قبل أي دولة. وفي حوار طغت عليه الجوانب العلمية مع مجلة «نيوساينتست» أخيرا قال بلير إنه يجب تضييق الهوة بين الجانب الأكاديمي والنواحي التجارية لأي مشروع علمي. وأضاف بلير إن دوائر اتخاذ القرار في العالم يتحتم عليها إشراك شعوبها فيما يُتخذ من خطوات علمية لها أثر مباشر في حياة الناس. وفيما يلي نص الحوار:

ـ ما مدى إجادتك للمواد العلمية أثناء فترة دراستك؟

ـ إنني صريح للغاية حيال هذا الأمر. لقد كنت ضعيفا للغاية في المواد العلمية في المدرسة. غير أن اهتمامي بالعلوم بشكل عام زاد بعد ذلك وبدأت بالفعل أندم لأنني لم أكن في شبابي أكثر اهتماما بهذه المواد.

ـ لماذا كنت كذلك؟

ـ كنت أجد المفاهيم الرئيسية صعبة الفهم. ولكنني بعد ذلك بدأت أفكر في أهمية العلم بشكل أكبر. كما أنني كقائد سياسي بدأت بالفعل أُدرك أهمية العلم لمستقبل البلاد، وهذا هو السبب الرئيسي لاهتمامي بالأمر الآن. ومن ثم فإنني لا أدّعي أي معرفة علمية ولكنني أتفهم أهميتها لمستقبل بريطانيا.

ـ ما هي من وجهة نظرك فوائد ومزايا الاهتمام بالعلم؟

ـ فيما يتعلق بمستقبل الاقتصاد، فإن العلم يقف على قدم المساواة في أهميته مع الاستقرار الاقتصادي. وإذا لم ننتهز ونستغل الفرص المتاحة في مجال العلم فإننا لن نتمكن من الوصول إلى اقتصاد عصري ناجح. وسوف يتفوق علينا الآخرون فيما يتعلق بتكلفة العمل. إن رأس المال البشري أهم أركان الاقتصاد الناجح ومن خلال التقدم التقني يمكن استغلال رأس المال البشري لخدمة مستقبل البلاد. يتوجب علينا أن نمنح بلدنا قدراً أكبر من الثقة في إمكاناته ومقدراته العلمية حتى يتبوأ مكانة علمية مميزة في المستقبل. إن بريطانيا تحقق نجاحات جيدة في مجال الاختراع والاكتشاف العلمي ولكنها ليست جيدة في الاستغلال التجاري للتقدم العلمي. وأتصور أن هذين الشيئين يرتبط كل منهما بالآخر.

ـ كيف يمكنك أن تجسر الهوة بين العلم كقضية أكاديمية والعلم كمشروع تجاري؟

ـ أنت هنا بحاجة إلى درجة معينة من البحث المتميز المتخصص وكذلك إلى عناصر الإبهار والإبداع والاكتشاف العلمي. ولكن إذا كان لديك عدد من الجامعات ومراكز البحث يكفي ويناسب ما يجري في القطاع الخاص فإنه سيكون هناك مردود اقتصادي. إنني أريد أن أوجد الانطباع بأن الشعب عندما يسير في اتجاه العلم والبحث فإنه يدخل إلى مجال سيدر عليه فوائد اقتصادية كبيرة.

ـ هل هناك خطر يكمن في الخلط بين العلم والنشاط التجاري بمعنى أن هذا التقارب قد يفقد العلماء مكانتهم المحايدة أم أن هذه الفكرة عفا عليها الزمن؟

ـ كلما زاد الاهتمام والحماس بالعلم، أدرك الناس بشكل أكبر أن التطبيقات العملية للعلم لها مردود مادي كبير، الأمر الذي يحفزهم على منح العلم كل تأييد ودعم ممكن. هناك بالفعل قضايا صعبة تنشأ بسبب تضارب المصالح في بعض الأحيان ولكنني أعتقد أن هذا الأمر تقل أهميته في ضوء الدعم والمزايا الكبيرة التي يقدمها العلم، وهنا أضرب مثالا بتطوير وسائل عملية لمواجهة تحديات التغير المناخي.

ـ تزامنت فترة خدمتك في الوزارة مع وقوع حدثين غير عاديين مرتبطين بالعلم، وهما رفض الشعب قبول المحاصيل المعدلة وراثيا ورفض الآباء إعطاء أبنائهم أمصال للحصبة والغدة النكفية . ما مدى استفادتك من هذين الأمرين؟

ـ الاستفادة الأولى تمثلت في أن أكون حريصا للغاية مع وسائل الإعلام وكيفية نقلها للأخبار؛ لم يكن هناك أي أساس علمي لما أُثير حول المحاصيل المعدلة وراثيا وما حدث من لغط بسبب التغطية الإعلامية للقضية. الدرس الذي تعلمته أيضا هو أنه من الأفضل دائما أن أبدأ بالصالح العام. فيما يتعلق بقضية الأغذية المعدلة وراثيا فإنني اعتدت أن أقول للشعب إن هناك كثيرا من العقاقير التي تنتج الآن من أجل إنقاذ حياة البعض وأن هذه العقاقير تنتج بالشكل نفسه الذي تُنتج به المحاصيل المعدلة وراثيا. فلو كنا قد بدأنا من خلال الطب ثم نظرنا إلى النواحي الأخرى المتعلقة بالمحاصيل المعدلة وراثيا لكنا استطعنا أن نصل إلى الشعب بشكل أفضل بدلا من ترك الشركات الأميركية تدخل السوق البريطاني، وهو الأمر الذي بدا كذلك لبعض الناس. ولهذا السبب فإن العلماء يتعين عليهم التفاعل مع الشعب لتفسير بعض الأشياء التي تمسهم بشكل مباشر. فبمجرد أن تفسر هذه الأشياء فإن الشعب على الأقل سيدرك أن هناك وجهة نظر أخرى أمامهم.

ـ في حالات معينة نبدو وكأننا نسير بعيدا عن التفكير العقلاني، سواء كان الأمر متعلق بنشوء أفكار دينية أصولية أو استخدام علاجات لا يجري تجريبها. هل تشعر بحدوث مثل هذا الأمر؟

ـ لا. أتصور أن معظم الناس الآن لديهم تفكير عقلاني تجاه العلم. ونصيحتي للمجتمع العلمي تتمثل في أنه يتوجب عليهم أن يخوضوا المعارك التي يحتاجون لخوضها. فأنا على سبيل المثال لن أرهق نفسي في خوض معركة حول معالجة المثلية. فهذا الأمر لن يقرر مصير العالم. ما سيغير مصير العالم هو أن يقوم المجتمع العلمي بتفسير علم الجينات وكيف يتطور أو القضايا المتعلقة بالتغير المناخي. هناك بعد يخيف العلماء ويثير قلقهم ناهيك عن أفراد الشعب الآخرين، وذلك لأنه في الوقت الذي يتقدم فيه العلم فإن هناك احتمالات كثيرة تنشأ. فعلم الوراثة على سبيل المثال هو علم مثير للغاية ولكن هناك أسئلة وقضايا كثيرة تثار حوله.

ـ هناك موضوع ذو أهمية كبيرة للعلماء ألا وهو الإبداعية. هناك اقتراح بتدريس الإبداع في بعض المدارس البريطانية. كيف ترى هذا الأمر؟

ـ هذا الأمر يشوبه قدر كبير من المبالغة. لقد زرت إحدى تلك المدارس وأتصور بقدر معرفتي أنهم هناك يدرسون المناهج بشكل تقليدي. إذا لاحظت أنا أن قضية الإبداع آخذة في أن تصبح الشغل الشاغل والركن الرئيسي للنظام التعليمي في هذا البلد فإنني أرى أن الأمر سيكون مثيرا للقلق. فكما قلت فإنه من المهم بالفعل للعلم أن يخوض جميع المعارك التي يتوجب خوضها . فعندما يظهر مصل مثل مصل الغدة النكفية والحصبة أو أمر متعلق بخلايا المنشأ، فإنه يكون قد آن الأوان للدخول في نقاش حقيقي حول الأمر.

ـماذا عن المعركة الكبيرة الأخرى وهي التغير المناخي. كيف تسير فيما يتعلق بهذه المعركة؟

ـ الخطوة القادمة هي أن يتم التوصل إلى إطار عمل تجري الموافقة عليه مع الدول الكبرى من خلال مجموعة ملزمة من الاتفاقيات وذلك حتى نتعامل مع الوضع عندما ينتهي العمل ببروتوكول كيوتو في 2012. لقد بدأت هذه العملية مع دول مجموعة الثماني بالإضافة إلى الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا. هذه الاتفاقيات ستحفز القطاع الخاص كي يبحث عن حلول علمية وتقنية للقضية. هذه الحلول موجودة ولكنها تحتاج إلى من يطورها ويخرجها للسوق.

ـ كيف ستفعل هذا؟

ـ يمكنك فعل ذلك ليس من خلال الاستثمار في الطاقة المتجددة فحسب، فنحن نخصص مئات الملايين من الجنيهات في هذا الغرض، وإنما أيضا من خلال التوضيح أمام مجتمعي رجال الأعمال والأكاديميين بأن هناك فرصة كبيرة في هذا الصدد. الأمر ذاته ينطبق بشكل يشوبه قدر أكبر من الجدل على تطوير محطات نووية جديدة. نصف البلدان الأوروبية على الأقل تفكر في المراحل القادمة للطاقة النووية. مرة أخرى أقول إننا لدينا خبرة في هذا المجال وعلينا أن نطورها. فالطاقة النظيفة والفحم النظيف والطاقة المتجددة كلها أمور تمثل سوقا ضخمة.

اعداد: حاتم حسين