لا يعرف الكثيرون شيئاً يذكر عن النانوية، أو تقنية التصغير، هذا العلم الذي يعد بإيجاد مجموعة كبيرة من التطبيقات العملية ذات الحجم الصغير للغاية، بحيث لا تراها العين المجردة، ولهذا تجد بعض المنتقدين يهاجمونها أحياناً. لكن في الوقت نفسه، من المستحيل إنكار أنه في العالم المفتوح على كل الاحتمالات الخاصة بالنانوية والقائم على آلات مجهرية يصبح من السهل تحويل هذه الموجة الجديدة من المنتجات التقنية إلى إشارة البدء لكل ملامح الحياة كما نعرضها الآن.

غير أن الحقيقة تظل أكثر تعقيداً بكثير كما هو معتاد دوماً، ذلك أن النانوية استمدت اسمها من النانومتر أي واحد مليار من المتر (واحد من ألف من المليمتر)، وهي وحدة القياس الأساسية المستخدمة في هذه الصناعة. وبهذا المستوى من صغر الحجم يصبح كل شيء ممكناً، وكل شيء قابلاً للتغير. تخيل 10 آلاف فيلم سينمائي مسجلة على قرص من طراز «دي في دي» واحد على سبيل المثال أو يعد روبوتاً طبياً مصغراً يقوم بأعمال الصيانة الطبية لمختلف أعضاء جسمك من داخلها.

ومع أن النانوية ربما تكون حقاً الثورة العلمية المقبلة، فإن التطبيقات العملية لها من غير الضروري أن تصنف ضمن الخيال العلمي، كما تقول الباحثة التايوانية سو تسونغ تسان، المديرة العامة لمركز بحوث تقنية التصغير الذي تديره الحكومة التايوانية.

تقول تسونغ تسان: «هل تعلم بسبب قدرة أبو بريص على الوقوف بثبات على الأسطح العمودية من دون السقوط؟» إن السبب ليس وجود أقراص ماصة صغيرة على قوائمه، بل وجود ملايين الشعيرات المجهرية عليها، وهو اكتشاف لم ينجز إلا أخيراً.

بالطبع، هذا ليس بالاكتشاف الذي سيأخذ النانوية من صحف الخيال العلمي إلى حياتنا اليومية. وشعيرات أبو بريص لزجة نتيجة تفاعل جزيئي يحدث عليها يعرف باسم قوة ديروال الجاذبة. فكل شعرة منها تتفرع عند نهايتها إلى آلاف الشعيرات الأخرى، وكل من هذه الشعيرات لها نهاية على شكل ملعقة مسطحة محززة على المستوى الجزيئي.

وبالنسبة لأبو بريص تمثل هذه قوة جذب تسمح له بأن يتعلق من على السقف بكامل ثقل جسده ويد واحدة فقط ملتصقة بالسقف، إن لزم الأمر. أما بالنسبة للبشر فهذا قد يفتح آفاقاً لا حدود لها تتراوح بين كباسات الملابس وإطارات السيارات التي لا تنزلق على الطرق الجليدية أو حتى أحذية خاصة بالرجال العناكب لتسلق المباني الشاهقة.

صحيح أن النانوية القادرة على تقليد شعيرات أقدام أبو بريص لم تتطور بعد، غير أن كثيراً من الأشياء النانوية الأخرى أصبحت قيد الإنتاج حالياً، وتشق الطريق للبشرية نحو مستقبل جديد. تقول تسونغ إن التقدم الذي أحرز في عالم النانوية سمح لهذا العلم بأن ينطلق، أصبح هذا الأمر واضحاً حين قررت الحكومة الأميركية استثمار موارد اتحادية فيها عام 2002.

تلك الخطوة الأميركية ينظر إليها الآن على أنها الدفعة التي أطلقت شرارة بحوث النانوية بقوة في كل أنحاء العالم . وركبت تايوان هذه الموجة في العام ذاته، حينما أسست مركز بحوث التقنية النانوية عام 2002، وهو العام نفسه الذي بدأت فيه الحكومة مشروع «التحدي 2008»، وهي خطة تنموية وطنية مدتها ست سنوات تتضمن بحوثاً ودراسات في النانوية.

وفي يونيو 2003، قرر المجلس الوطني للعلوم، وهو المسؤول عن تخصيص الموارد المالية وتنسيق الجهود بين المؤسسات الحكومية المكرسة للبحوث العلمية، قرر أن يحيل البحوث النانوية إلى البرنامج العملي التقني القومي للعلوم والتقنيات النانوية. ووفر المجلس 676 مليون دولار ميزانية للمشروع بين 2002 و2008.

النانوية التي توصف أحياناً بأنها الثورة الصناعية المقبلة، أصبحت تكتسب سريعاً شعبية واسعة في أوساط الدراسات العليا، وهذا ما جعل جامعة تشياو تونغ الوطنية التايونية عام 2003 تؤسس أول كلية جامعية للنانوية. كما انتشرت مراكز بحوث النانوية في أكثر من 10 جامعات تايوانية. وإلى جانب إجراء البحوث في هذا الميدان، فإن المهمة الرئيسية الثانية لهذه المراكز هي إنتاج الجيل المقبل من المهندسين المتخصصين في هذا العلم.

غير أن مركز البحوث التقنية التايواني يبقى هو محور الاندفاعة التايوانية لمواكبة التطور العالمي في هذه العلوم. يقول يانغ جيه تشانغ، نائب الرئيس السابق للمركز: «قبل ثلاثين عاماً كان المركز هو الذي بدأ برامجنا لتقنية المعلومات. وهو الذي كرس مكانة تايوان كواحدة من أهم المراكز التقنية في العالم. والآن عاد المعهد ليقف على عتبة عصر جديد».

إذا سار كل شيء كما ما هو مخطط له، فإن وزارة الشؤون الاقتصادية التايوانية تعتقد أن هذه التقنية قد توفر لتايوان 82,8 مليارات دولار بحلول عام 2008. وتكمن فائدة معهد البحوث الصناعية التايواني للبلاد، وهو مؤسسة غير ربحية يعمل فيها 6000 شخص، هي في ارتباطاته طويلة المدى مع الصناعة

حيث يقوم بتقديم ما متوسطه 350 ترخيص تقنية جديدة لأكثر من 500 شركة تايوانية وينتج حوالي 1000 براءة اختراع سنوياً في ميادين تتنوع من الطب العضوي وحتى الاتصالات والالكتروبصريات. وعلى صعيد النانوية، يوجد في المعهد 700 باحث يعملون في سبعة مختبرات وخمسة مراكز بحوث مزودة بأفضل التجهيزات في البلاد.

وهذه بنية أساسية تصفها سو بأنها ستجعل تايوان مكاناً مميزاً للشركات مع بلدان أخرى. وتتمتع سو إلى حد كبير بالثقة حين تقول إن مستوى البحوث التطبيقية المنفذة في تايوان يجعل الدول الأخرى تحس بالحاجة للتعاون مع تايبيه. وتضيف: «على الدول الصغيرة أن تكون لديها استراتيجية ذكية إذا أرادت أن تنافس الدول الكبرى».

براءات الاختراع تبقى براءات اختراع، غير أن المنتجات هي شيء مختلف ، وهنا يعترض دعاة النانوية أنفسهم بأن الطريق لا تزال طويلة قبل أن تبدأ هذه التقنية بإعطاء أثرها التجاري الذي يوازي قدر الحماس لها. يقول شيو جيومين نائب الرئيس التنفيذي لمعهد البحوث الصناعية التايواني: «لا نعرف إلى أين نحن ماضون بالضبط. لدينا رؤية عن عصر النانوية لكنها متوازية مع فهم محدود لما قد تصبح عليه حقاً».

وما هو معروف الآن هو أن التطبيقات العملية للنانوية أكثر ما توجد في المواد والآلات والالكترونيات والطب. وباستثناء المواد، فإن الباحثين العاملين فيها غالباً ما يجدون أنفسهم يخوضون في نقاشات لا تتجاوز الورق أو النماذج الأولية البعيدة عن خطوط الإنتاج.

المستثمرون المحتملون لا يزالون يتخذون موقف انتظر وراقب. يقول شيو: «أنا قلق من أنه رغم الحماس الحالي سيبدأ الناس بفقدان اهتمامهم بها، إن لم يروا أنها تقدم نتائج سريعة»