الازدحام المروري ظاهرة تفرض نفسها في كل المدن الكبرى، وكل مدينة تحاول الوصول إلى مجموعة من العناصر التي تشكل طريقتها الخاصة في الوصول إلى حل لهذه المشكلة، وهي مجموعة قد ينجح بعضها وقد يفشل البعض الآخر، ولكنها تظل على الدوام أفضل من التسليم بأن هذه المشكلة لا يوجد لها حل. ولندن ليست استثناء من هذه القاعدة، فهي أيضاً لها أساليبها في التعامل مع أكثر مشكلاتها صعوبة وإزعاجاً.

وأبرز ملامح محاولات لندن لحل مشكلة الاختناق المروري يكمن في توظيف التقنية المتقدمة والتصدي لإشغالات الطرق وتكثيف الدراسات والأبحاث حول كل عناصر الظاهرة وأبرزها سلوك السائق البريطاني الذي يوصف بأنه الأسوأ في أوروبا بأسرها، هذا فضلاً عن التركيز على أداة مدهشة هي »الإعلام المروري«.

والواقع أنه مع عدم زيادة معدل السرعة في لندن عن 16 كيلومتراً في الساعة في ساعات الذروة المرورية، يواجه إزمون جورج مدير العمليات في مركز السيطرة المرورية في العاصمة البريطانية الكثير من المشكلات. ومهمته هي الإبقاء على حركة المرور من دون توقف، حيث تتضافر الأشغال على الطرق والحوادث المرورية وأعطال الإشارات المرورية والحواجز الأمنية والعدد الضخم من السيارات تتضافر كلها ضده.

المركز العصبي لتنسيق الحركة المرورية في لندن يشبه حقيقة مركزاً للسيطرة على إحدى الرحلات الفضائية في »ناسا« القاعة تهيمن على مشهدها شاشة عرض فيديو ضخمة ترتفع من الأرض وحتى السقف.

وتعرض الشاشة »نظام كوميت«، وهو خريطة لحالة الازدحام المروري في لندن، ولكل طريق فيها اسم رمزي ولون رمزي، الأحمر للازدحام الشديد والأصفر للازدحام المتوسط والأخضر للطرق السالكة.

وبمقدور »نظام كوميت« عبر تغذيته بالسرعة الفعلية الراهنة للحركة المرورية على الطريق ومقارنتها بالسرعة المتوقعة في المكان والزمان، يستطيع كوميت أن ينبه الموظفين المتابعين له لأي مشكلات تحدث.

في المركز، تجد الموظفين وهم يراقبون بدأب صفوف الشاشات التي تعرض صور كاميرات الفيديو المنتشرة في كل بقعة من عاصمة الضباب في خلفية كل شاشة معلومات على مدار الساعة عن الحالة الجوية. المكاتب لا تهدأ عليها الهواتف وأزرار الكمبيوترات، فيما أذرع التحكم تطل على سطح كل مكتب ليحرك بها الموظفون وضع الكاميرات وجهتها بحيث يتمكنون من مراقبة كل جهة وتقريب صورة الحوادث التي تقع.

في الساعة الرابعة وأربعين دقيقة عصراً يتلقى ضابط المرور المناوب رسالة من مركز اتصالات الشرطة ثم يستدير ليخبر توم إيفرز في مركز السيطرة المرورية المسئول عن الجزء الشمالي في لندن بأن هناك حادثا على الطريق أيه 40.

يقول أيفرز: »من حسن الحظ أن الحادث وقع على جانب الطريق المتجه شرقاً وليس على الآخر الخارج من لندن أي بعكس تيار المرور في يوم الجمعة بعد الظهر أي أن حارة واحدة في الطريق سدت. هاهي شرطة المرور قد وصلت للموقع«.

لو حدثت حالة وفاة نتيجة حادث، لتعين على الشرطة التعامل مع الموقع وكأنه موقع جريمة وإغلاق الطريق طوال أربع ساعات. وعندئذ تحدث اختناقات لا محالة. يقول: »عليّ أيضاً أن أتابع حدوث طوابير طويلة«. ثم يقلب بين الصور الآتية من الكاميرات. »لو وصلت الطوابير إلى الدوار السابق لحدث ازدحام شديد«.

ومن المركز يأخذ إيفرز بتعديل تسلسل وتوقيت الإشارات المرورية ليعطي مزيداً من الضوء الأخضر للجهات المزدحمة ليخفف الازدحام بوقت أسرع. وأخيراً يعود الطريق إلى حالته الطبيعية في الساعة الخامسة وعشر دقائق.

من المركز يمكن لضباط الشرطة برمجة أكثر من 4800 إشارة مرورية موجودة في شوارع لندن، وهذا العدد يتزايد باستمرار. يقول جورج: »يعمل مهندسو المرور عندنا على إعداد مكتبة من خرائط الإشارات الضوئية للتعامل مع مختلف السيناريوهات المحتملة عند كل تقاطع«.

فتوجيه تدفق المرور والمناورة به حول المناطق المزدحمة أمر حيوي جداً للتعامل مع الازدحام المروري. »حين تكون الإشارة المرورية خارج نطاق السيطرة الإلكترونية أستطيع إرسال دوريات مختصة بالزحام إلى الموقع«. وهناك ستة فرق تعمل في لندن منتشرة في مواقع استراتيحية للعمل على توجيه المرور بإدارة من المركز.

أشغال الطرق هي من أهم أسباب الازدحام المروري. فأكثر من 100 شركة خدمات و35 جهة مسئولة عن الشوارع في لندن تحفر أكثر من مليون حفرة سنوياً على طرقات لندن. وبعض الشوارع لا تكاد ترتاح من الحفريات حتى تعود إليها.

ويتم الآن تطوير برنامج لندنوركس لمعالجة مشكلة تنسيق الحفريات وتشجيع مختلف الجهات التي تحفر الطرقات على التشارك في الحفر وعدم الشروع في حفريات على عدة طرق في وقت واحد. كما يتضمن البرنامج التعامل مع الأحداث والفعاليات المخطط لها مسبقاً في المدينة مثل المسابقات الرياضية أو التظاهرات السياسية، حيث يعرف جورج ومساعدوه أن طرقات لا بد وستغلق بشكل يؤثر على حركة المرور.

كما أثبتت الدراسات أن كاميرات رادارات السرعة على الطرقات يمكن أن تسبب الازدحام المروري حيث يخفف السائقون السرعة بشكل مفاجئ حين يلمحون هذه الكاميرات. بل إن سيارة شرطة متوقفة على جانب الطريق يمكن أن يكون لها الأثر نفسه أيضاً حيث يضع السائق قدمه على الفرامل فور رؤيته لها.

وأحياناً يكون السبب هو السلوك السيئ للسائق. فقد أثبتت الدراسات مثلاً أن السائق البريطاني هو الأسوأ سلوكاً في أوروبا، وهو السلوك الذي يتورط فيه أكثر من 80 في المئة من السائقين البريطانيين فيما اعترف 25 في المئة من هؤلاء بتورطهم في أفعال رعناء أثناء القيادة ناجمة عن المشادات بين السائقين.

ويقول علماء النفس إن عدم القدرة على التواصل مع السائقين الآخرين في الطريق هو أهم أسباب الازدحام المروري. وحالياً يعمل المهندسون اليابانيون على تطوير حل لهذه المشكلة يتمثل في سيارة تغير لونها بشكل يعكس الحالة النفسية للسائق وبالتالي تضع السائقين الآخرين في صورة الحالة الذهنية لسائقها.

ومن الطرق الأخرى المتبعة لتخفيف حدة الازدحام الإعلام المروري. فإذاعة عين لندن إف إم الطائرة بطائراتها التي تحمل محطة إذاعية تفعل ذلك. ومن الطائرة التي تحلق على ارتفاع 400 متر فوق منطقة لندن المرورية، تبث كلير تومبسون برنامج الصباح الذي يركز على الحالة المرورية.

وعلى الرغم من كل التقدم التقني والصناعي، فإن سرعة المرور في لندن اليوم ليست أسرع مما كانت عليه في العصر الفيكتوري في القرن التاسع عشر. وحتى في تلك الأيام كانت هناك مشكلات مرورية ومثلما يقول أحد مستخدمي الطريق في تلك الحقبة عام 1955: »إن متطلبات الحركة المرورية الحالية في عاصمة عالمية مثل لندن تفوق جداً ما بمقدور الطرقات والمنشآت المتوفرة أن تقدمه«.

لكن مع ارتفاع الحوادث المرورية بنسبة 80 في المئة عما كانت عليه عام 1980، فيما لم تزدد الشوارع إلا بنسبة 15 في المئة خلال هذه الفترة، يصبح من الواضح تماماً حجم الازدحام المروري الحالي. والخلاصة التي يكره المرء الركون إليها هي أن الازدحام المروري مشكلة مزمنة لا حل لها.