كلما مررت بهذا المكان، الذي أمر به عادة بين فترة وأخرى لظروف العمل، ولوقوعه على الطريق العام الذي يربط بين مدينتي العين ـ دبي، كلما مررت به، أخذتني رعدة، وانين خافت مكثف يستحضر شخوصاً، باتوا اليوم من ساكني هذا المكان الأبديين، العزيز على القلب، بل هو القلب. مذ سكنوه، بدا هذا الحنين إليهم يحفر في القلب أكثر فأكثر، روحي منزوعة، أحسها تتوسد ربما شاهد قبر بسيط في هذه الفلاة التي تغمرها السكينة والهدوء والتي لم تعد بالنسبة لي موحشة ولا غريبة.
لم اعد انتحب كلما مررت به مثلما كنت افعل من قبل كطفل صغير، كبر الحب الجارف للمكان، فملأني يقينا بغد أفضل، وربما أجمل، نختزنه للأطفال الذين أتوا بعدنا، أطفالنا، كم يؤنسني قولهم: جدنا وجدتنا يرقدان هنا.
تتقطر الروح وانا أراهما يتناولان بعد قراءة الفاتحة سطلا يملآنه بالماء ويرشان الضريحين، يرطبان القلب بجذل ومحاولة طفولية تقارن بين الصور الملونة العديدة وفيلم فيديو يتيم لا أقوى بل لا أجرؤ على مشاهدته حتى اليوم، وبين ذكريات لم يسمح بها القدر كي تتشكل وتغزل، بل لم تبدأ أساساً حيث الرحيل كان قبل ولادتهم، من أحاديثي معهم، من رواياتي عن حب الجد للقراءة التي أورثنا إياها وحب عمل الخير للناس كل الناس دون تفرقة،
من أصدقائه ومعارفه الكثر الذين نلتقيهم دوماً في أكثر من مناسبة وأكثر من مكان، من اسم الكبير الذي سمي على اسم جده، من هدوء الصغير الذي يذكرني يومياً بهدوء الأم الحنون، من صخبهم اللذيذ الذي يداعب شفرة القلب ويجرحها أحياناً. كان علي أن انتظر أربعة عشر عاماً كي أستطيع أن اكتب كلمة عنهما، طوال هذه السنوات لم يغب عن تفكيري هذا السؤال الملح الذي يلازمني كالمس فأهذي كالممسوس:
ترى هل سأجد لي مكاناً قربهما عندما تحين ساعة الانتقال إلى العالم الآخر ؟ الله وحده يعلم. دنيا واسعة كبيرة ضمتنا بمن نحب وبمن لا نشتهي، لحظة رضا الوالدين التي لا تقدر بثمن، وسنوات طويلة كما بدت لنا ونحن صغار، تبدو اليوم عجلى، تمر أسرع من مرور الكرام وعيني على هدوء هذه القبور التي تستضيفها هذه المساحة من الأرض التي اسمها مقبرة الفوعة. هل أقول إنها أحب الأماكن، لا أبالغ إن قلت ذلك، ألم يقل الشاعر:
أمر على الديار ديار سلمى
أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار ملكن قلبي
ولكن حب من سكن الديارا
ولكن أين هو الحد الفاصل بين الديار ومن سكن الديار وقد تعتقت الذكرى، انه الفاصل الوهمي، الفاصل الزمني ربما، هكذا تأسرنا الأماكن وتتشكل عواطفنا تجاه جغرافيا اللوعة والحنين، في مكة مجرد رؤية الحرم المكي يجلو القلب، وتتكثف روعة الأيام الأولى لمرحلة صدر الإسلام، في اسطنبول أبكاني صوت المؤذن الرخيم وهو يدعو للصلاة حين سمعته هناك للمرة الأولى،
وفي غرناطة تمرغت كطفل فوق العشب الأخضر لـ (جنات العريف)، وحييت جنبات قصر الحمراء التي تخيلت نوافيرها تسكب دموع أبي عبدالله الصغير، وفي (العين) امتدت جذور القلب بثبات جنباً إلى جنب مع شرايين الروح، لنبقى أسيري هذه اللذة الروحية التي تشدنا أكثر لهذا المكان أو ذاك، كم هي مظلومة الأماكن في حياتنا، فنحن نادراً ما نلتفت إلى قراءة مشاعرها وأرشفة وتدوين تاريخها، ولا نتذكرها إلا بعد فوات الأوان.
في مدينة تتشكل شخصيتك فيها من تفاعل المادي مع الحسي، مع أصوات تألفها وتألفك، ووجوه تحبها وقد لا تشعر بك، وأخرى تحترق معها مثلما تحرقها حرارة الشمس، كذلك البائع الذي كان يحمل إليك جريدتك وأنت تحت مكيف سيارتك في عز الصيف، وتنساب الروح مع انسياب حركة المرور في شوارع هذه المدينة الروحية بامتياز التي نادراً ما تصاب بالاختناقات المرورية . وللأنف ذاكرته أيضاً التي لا تقل روعة عن ذاكرة العين، والاثنان يصبان بمهارة وحرقة في ذاكرة الروح فمن تراكم هذه اللمسات يتشكل العمر... أعمارنا!!
عمار السنجري
aalsanjari@yahoo.com