إقبال واسع من الزوار الذين ينحدرون من مختلف الجنسيات والفئات العمرية، يشهده معرض «فنون من البلاط العثماني» الذي تنظمه هيئة أبوظبي للثقافة والتراث حالياً في المجمع الثقافي تحت رعاية الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وبالتعاون مع مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، خاصة وأن المعرض يضم مجموعة نادرة من مقتنيات متحف دولماباتشي تعرض للمرة الأولى خارج تركيا، من مفروشات ولوحات لمستشرقين عالميين، وذلك بمناسبة مرور 150 عاماً على تشييد قصر دولماباتشي، ويستمر المعرض لغاية يوم الجمعة الموافق 24 نوفمبر الجاري.

وأوضح أحد البحوث المنشورة ضمن فعاليات المعرض بعنوان (تركيا والاستشراق في القرن التاسع عشر)، والصادر عن رئاسة مديرية القصور الوطنية في مجلس الشعب الأعلى في تركيا، أهمية الاستشراق في بداية القرن التاسع عشر، حيث برزت معه حركة فن الرسم الاستشراقي التي بدأت سنة 1798 مع حملة نابليون على مصر وانتهت عام 1914 مع الحرب العالمية الأولى، ولم تكن هذه الحركة تشكل مدرسة منفصلة، بل كانت مركز الاهتمام الكبير خلال القرن التاسع عشر بكامله في كل أنحاء أوروبا وأميركا، وحتى في البلاد الشرقية التي انبثقت عنه. وقد كان الرسم الاستشراقي يعتبر أحد فروع الرسم الرومانسي والذي هو أقوى الحركات الثقافية التي حدثت في القرن التاسع، بالرغم من أنه ليس مستقلاً، لأن جميع اللوحات الاستشراقية مرتبطة مع بعضها البعض، بسبب موضوعاتها أكثر مما هي مرتبطة بأسلوبه، كما أن الفن الاستشراقي لم يرتبط بالشرق فقط، بل ارتبط بموضوعات عديدة تضمنتها الحركة الرومانسية.

وتضمنت البحوث الصادرة عن رئاسة مديرية القصور الوطنية في تركيا، معلومات هامة حول أعمال الفنانين المستشرقين في تركيا منذ بداية حركة الرسم الاستشراقي وحتى التاريخ المعاصر، وتشير التقارير البحثية إلى أن الفنانين الفرنسيين كان لهم تأثير كبير منذ بداية تلك الحركة، بحيث كان عددهم كافياً لإنشاء مدرسة، في حين كان المستشرقون البريطانيون أقل عدداً وأكثر فردية وأقل إبداعاً، بينما قدمت ألمانيا وإيطاليا اللتان لم تكونا إمبراطوريتين استعماريتين كبيرتين، عدداً أقل من الفنانين المستشرقين مقارنة مع فرنسا وبريطانيا.

ولوحات المستشرقين، تؤكد التقارير أنه لدى الفنانين المستشرقين الأوروبيين العديد من النقاط المشتركة فيما يتعلق بالموضوعات التي رسموها أكثر مما لديهم في الأسلوب، فقد رسم الفنانون في لوحاتهم بشكل عام مناظر الصيد والحرب والحريم ومناظر الحمامات والرقص الشرقي، حيث كانت المرأة هي مركز الاهتمام، كذلك رسموا مناظر الحياة اليومية داخل وخارج البيوت في المدينة، الإثنيات المختلفة وأزيائها والوجوه، والحياة في الصحراء، والواحات والبدو، ومناظر العبادة المتعلقة بالحياة الإسلامية، إضافة إلى قصص الإنجيل والعهد القديم على خلفية المناظر في الأرض المقدسة، وكذلك رسم المدينة والمناظر الطبيعية، والآثار والنصب التذكارية، والتركيز على العمارة الإسلامية.

وعن جماليات لوحات المستشرقين، تذكر التقارير عن تأثر الفنانين المستشرقين بالمناظر الطبيعية المختلفة، وبتأثيرات الضوء والألوان التي اكتشفوها بعد رحلاتهم إلى الشرق، ولذلك شعروا بأنهم مجبرون على القيام بابتكارات وإبداعات معينة في فنونهم، ما فتح الطريق أمام بعض النتائج الجمالية، التي أدت إلى تغييرات في تركيب وتأليف لوحاتهم، كما أن وجود النور والضوء الباهر مكنهم من إجراء تجارب جديدة على الألوان.

وذكرت بعض البحوث الواردة من رئاسة مديرية القصور الوطنية، أنه من بين جميع دول الشرق الأوسط فإن مجموعة المديرية العامة للقصور في تركيا من اللوحات الفنية تحتوي على الأعمال الاستشراقية التي صورت ورسمت القرن التاسع عشر، الأعلى والأكثر قيمة، وهذه المجموعة هي التي وضع أسسها السلطان عبدالعزيز والذي سمح للقصر أيضاً أن يمتلك، ويحوز كثير من لوحات المناظر الطبيعية التي رسمها فنانون مستشرقون أوروبيون لمواضيع لا تحمل السمات الشرقية.

وتضم القصور والمتاحف التركية مجموعات كبيرة من الأعمال الفنية للرسامين المستشرقين الأكثر شهرة في العالم، وغيرهم من الفنانين الأقل شهرة والذين باتت أعمالهم تأخذ حظها في العروض الاستشراقية التي أصبحت تخرج تلك الأعمال المنسية في المخازن إلى النور، وتعمل على أن تأخذ مكانتها التي تستحقها منذ زمن بعيد.