كلما رأيت امرأة عجوزا مسنة أطلت التحديق بوجهها اتأمل غضون السنين، وما تركته الحياة من أخاديد، وأول وجه يتبادر إلى الذهن هو وجه امتنا العربية الإسلامية الذي كان مشرقا.. لا ارى فرقا بين وجه امتنا ووجه تلك العجوز المسنة التي تنكر لها أبناؤها، لم يرحموا شيخوختها وقابلوها بالجحود والنكران، لكنها ترفع يديها بالدعاء لهم بالهداية بينما الأبناء يقذفونها بالطوب والكلام الرخيص، ويكيلون لها الشتائم وأقذع السباب وهي مستمرة في دعائها وطلب الهداية لهم...وإذا ما اشتد عليها الأمر وأثقلوها بشتائمهم فلن تزيد على : سامحكم الله يا ابنائي..

في بلاد الغرب لاعلى التعيين، لاحظت ظاهرة منتشرة هناك، ربما لاحظها الكثيرون غيري حين يضطر احدنا لقضاء حاجته، يحتار ويحتاس فيدله أهل الخير والمعروف على سكة حمام عمومي «تواليت»، وبعد أن يخرج المزنوق من بيت الراحة، تستقبله في الأعم الأغلب سيدة كبيرة في السن، ولم افهم سر اختيارهم لكبار السن في هكذا مواقع، تنهض عادة متأهبة من على كرسيها العتيق المتهالك المنزوي في ركن قصي مظلم رطب من أركان التواليت.

تسقبل الخارج من الحمام واضعة أمامها مناشف ومناديل ورقية وأنواعا رخيصة من الكولونيا النفاذة الرائحة، تستقبله هذه المرأة المسنة بابتسامة أو (عبوس يستجلب الشفقة) تختصر كل معاناتها في هذه الحياة الذليلة، وترجوك لان تنشف يديك بمناديلها الورقية، وترش عليها قليلا من الكولونيا، وعندما تسألها عن ثمن ذلك (وهو ثمن بخس في جميع الأحوال) تقول لك :

كما تريد، ادفع بما تجود به مروءتك أيها السيد المحترم..

أحيانا، حتى بدون أن تتكلم، أنت ستفهم من خلال تعابير وجهها تلك الجملة، لأنها تعرف أنها تقدم خدماتها تلك (بضمنها تنظيف الحمامات وهو عملها الأساسي) لقاء مبلغ زهيد جدا لايوازي ثمن تلك السنين التي أحنت ظهرها وأجلستها في آخر العمر (تخدم) على الزبائن في تواليت عمومي.

قبل أيام قرأت في إحدى الصحف مذكرات لراقصة عربية مشهورة، تعتبر من جيل الرائدات في هذا الوسط بالطبع ليس رائدات الفضاء لا سمح الله، المهم، تقول في مذكراتها أنها كانت في ذلك الزمان اللي غبر وجبر، قدها قد غزال والعود مياس والخصر نحيل والشعر طويل ورمش العين رباني، وسردت نفس ذلك الموال المتعارف عليه في مثل هذا النوع من المذكرات التي تذكرنا بمذكرات السياسيين وقواد الجيوش العربية !

أصلي أنا من عيلة محافظة، وأهلي كانوا ناس صعبين، محترمين، واكتشفت اني أميل للرقص من صغر سني، اشتركت حينها في الأنشطة المدرسية (ياعيني على هيك مدارس)، ومنعني في ذلك الحين بابا وحاول كتم انطلاقتي الفنية، أصله كان راجل حمش، فاضطريت للهرب من بيت العز يبيتنا على بابك عنبتنا،.و..و..

ويتوسط حديثها بالطبع صورة قديمة لها من أيام الإعدادية، وصور أخرى لها مع (معلمتها) الشمطاء التي علمتها فيمابعد الفن على أصوله، لتسرد لنا قصة معلمتها، ولقائها معها ونبذة عن تاريخ الـ «التياترو» الذي تخرجت منه وقصة معاناتها ونضالها وكفاحها على طريق الوحدة ونص الطويل.

و مع أنها تشبه بجسمها عجلا مربوطا للتسمين، إلا أنها مع ذلك مصرة على سرد سيل مذكراتها تلك بالتفصيل بل وبالتفصيل الممل وعلى حلقات ، هنا فقط تذكرت عجوز (التواليت) واقتنعت ساعتها أن مثل هذا المكان ملائم جدا لهكذا عجائز!

aalsanjari@yahoo.com