«جونغ» مواطن من جمهورية كوريا الجنوبية، اتخذ من قارعة طريق في حي «الوك» وسط العاصمة الموريتانية نواكشوط مستقرا له، في خيمة أقل ما يمكن قوله عنها أنها لا تليق برجل أعمال ثري، ! كان رجلَ أعمال من أكبر المستثمرين الأجانب في قطاع الصيد في موريتانيا، في مطلع التسعينات،ينحني له أباطرة الصيد كلما التقوه أو مر بهم، وكانت كلمة «جونغ» تعني لهم الكثير.
عندما وصلتْ إلى علم الرجل ـ وهو في بلاده ـ أنباء متتالية عن ازدهار الاستثمار وربحيته في موريتانيا، خاصة في قطاع الصيد، قرر بعد طول نظر وتفكير أن ينتقل إلى ذلك «البلد المجهول» ليجرب حظه فيه، وعند وصوله إلى «أرض الأحلام» تلقفه رجال الأعمال ورحبوا به أيما ترحيب، وفتحوا له «أحضانهم» فرحين مستبشرين.
دخل «جونغ» الميدان وبدأ العمل الذي أدر عليه في البداية أموالا طائلة، زادته تشبثا وإيمانا بحلمه القديم، ببناء ثروة طائلة من «الصيد في موريتانيا».ومرت الأيام وأصبحت الصفقات تعقد من دون وثائق نتيجة الثقة المتنامية بين «الشركاء»، ولكن ما هي إلا أشهر حتى أصبح الربح يتناقص، وأشهر فجأة إفلاسه متهما بعض رجال الأعمال في البلد بسلب أمواله.
وتحول الكوري الجنوبي الفار من أقصى شرق آسيا، من رجل أعمال ثري يهابه عمالقة القطاع إلى لاجئ في خيمة بالية على قارعة طريقٍ في نواكشوط، كان في أول «لجوئه» مخيما أمام مثلية الأمم المتحدة، لكنها ضاقت به وأبلغته أنه شخص غير مرغوب فيه بجوارها، ليتحول إلى بقعة جديدة، أمام سفارة جمهورية الصين الشعبية الدولة «غير الصديقة» لكوريا الجنوبية.
ويرفض «جونغ» التصوير لكنه يحاول ـ بلغة فرنسية ضعيفة ـ أن يروي مأساته، وأشد ما في الأمر بالنسبة له أن ليس بإمكانه العودة لبلده الأم، بسبب الأزمات المالية القاتلة التي ستواجهه عند عودته، بكل بساطة لأن كل أمواله، وأحلامه، وطموحاته، دفنت هنا في موريتانيا على شواطئ العاصمة الاقتصادية للبلد نواذيبو.
ويعيش «جونغ» اليوم دون أدنى متطلبات الحياة، يتخذ هو وزوجته وأطفاله من مراحيض مركز شرطة يبعد خمسين متراً عن خيمته، مكانا وحيدا لقضاء الحاجة، بعد أن كان أبناؤه يخافون رؤية الموريتانيين «أيام الثراء».ولا يتلقى من المساعدات إلا النزر القليل من مفوضية غوث اللاجئين، ويحاول ـ وبصعوبة بالغة ـ أن يدخل في ميدان يعمل به ليكسب رغيفا يقتات به هو وأبناؤه المغلوبون على أمرهم، في انتظار مستقبل تمتلئ عيناه بالدموع حين يحاول التفكير فيه.
نواكشوط ـ بشير ولد ببانة
