روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزوبية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: من يجترئ عليه إلا أسامة ين زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فكلمه أسامة: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فاختطب، ثم قال:

(إنما اهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرقت فيهم الشريف تركوه، وإذا سرقت فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)!!

تضمن الحديث الشريف إشارة تربوية غاية في الخطورة، تتلخص في ضرورة تطبيق قوانين الحدود والعقوبات على مستحقيها دون استثناء لأحد على حساب الآخرين، فالأمة كلها مطالبة بالانصياع الكامل للتشريعات الإسلامية في جوانب الحياة بما فيها الحدود والعقوبات، فإذا تحققت المساواة الكاملة في ذلك كانت سببا في نهضة الأمة وحمايتها من الثغرات التي تؤدي إلى خرابها وهلاكها.

وقد اظهر لنا الحديث الشريف هذه الحقيقة من خلال موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من شفاعة أسامة بن زيد رضي الله عنه لتلك المرأة السارقة التي أصابت حدا من حدود الله، فاستحقت عقوبة قطع اليد التي تقررها الشريعة الإسلامية.

وإنما غضب النبي صلى الله عليه وسلم من شفاعة أسامة لأنها جاءت لتعطيل حد من حدود الله، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وعاتب أسامة في ذلك، ثم ارتقى المنبر جريا على عادته صلى الله عليه وسلم عندما يريد أن يلقن أمته درسا خطيرا.

وقد لخصه النبي صلى الله عليه وسلم في عدة كلمات مفادها أن السبب الأساس في هلاك الأمم هو عدم المساواة والعدالة في تنفيذ العقوبات، فالشريف صاحب المال والجاه والسلطان لا يخضع للعقوبات، ولكن الآخرين ممن لا يمتازون بلقب الشرفاء بهذا المفهوم، تجري العقوبات عليهم، وقد يبالغ في تنفيذها.

وهذا الظلم هو السبب في هلاك تلك الأمم كما ذكر الحديث الشريف ثم تأتي الإشارة النبوية الأخيرة التي تدل على كامل الحزم وغاية الحسم في هذه القضية عندما يعلنها النبي صلى الله عليه وسلم، (وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) وهنا تظهر عدالة الرسول صلى الله عليه وسلم ومساواته بين أفراد أمته في الحقوق والواجبات، ويظهر حزمه صلى الله عليه وسلم في تنفيذ العقوبات ولو على اقرب المقربين إليه، ولو كانت فاطمة الزهراء رضي الله عنها.

وهذه الوقفة التربوية تعتبر ضرورية لامتنا، حتى تكون بمأمن من أن يصيبها ما أصاب الأمم السابقة من هلاك وتفرق وثورات، وهنا يقرر الحديث مبدأ في الشفاعة حيث اعتبرها سيئة عندما تكون لتعطيل حد من الحدود، أو لارتكاب معصية من المعاصي، أو للاعتداء على حق من الحقوق، فمن يشفع مثل هذه الشفاعة فهو والمشفوع له شريكان في الإثم.

ولكن الشفاعة إن كانت لرفع الظلم عن المظلوم، أو لتحصيل حق من الحقوق، فهي الشفاعة الحسنة التي حث الله تعالى عليها في قوله تعالى: (من شفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا) النساء 85.

د. ابوبكر علي الصديق