إذا كان ما ذكرناه سابقا، هو المقصود بالكرامة، والكرامات، فنحن ننكره جملة وتفصيلا، ونرد على هؤلاء بقوله تعالى: «قل لا أملك لنفسى نعفا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير..» ويقول محمد عبده:
« يجوز لكل مسلم بإجماع الأمة ان ينكر صدور أي كرامة كانت من أي ولي كان، ولا يكون بإنكاره مخالفا لشيء من أصول الدين، ولا مائلا عن سنة صحيحة» ونحن نؤمن بالكرامة بمعنى أنها نوع من اللطف الإلهي، أي عون الهي يمنحه الله للإنسان، فإذا صادف طاعة سمى هداية وتوفيقا، وإن صادف معصية سمى عصمة، فالكرامة هي الهداية الإلهية للمؤمنين الذين يتمسكون بقواعد الدين وينفذون تعاليمه ويعضون عليها بالنواجذ ويدافعون عنها فيرحمهم الله ويهديهم إلى الطريق المستقيم.
الكرامة هي المنح الإلهية التي تأخذ بيد الإنسان المكروب وتنقذه من مصيبة يقع فيها أو تشفيه من مرض ألم به بعد أن أخذ بالأسباب الدنيوية واستنفد الجهد والعمل.
وبذل كل ما في طاقته ووسعه ولم يبق أمامه إلا أن يلتجئ للذي يجيب المضطر إذا دعاه، الكرامة هي الحب الإلهي للمتقين الورعين المخلصين هي سر إلهي بين الإنسان وربه يشعر بها كل منا دون ان يتحدث عن ذلك ويعلن عنها، حينما يفيض الله عليه بنعمة ويحس بالراحة والطمأنينة في غدوه ورواحه « إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور» «الحج 38».
إن الإشكالية الحقيقية ان عملية استهواء العقل وتضليله وتعطيل دوره في تقدم الحضارة ليست مرحلة تاريخية أعاقت مسيرة الحضارة الإسلامية وتقدمها، بل هي قضية مازالت مستمرة وتسيطر على عقول كثير من العلماء.
وهو أمر مخز للغاية، فهذا يؤمن بأن السيدة زينب خرجت من قبرها في حلل سندسية، وأعطته صرة مملوءة، بالنقود وآخر يعتقد بأن هذا الشيخ قادر على الوجود في مكانين في آن واحد، وزمان واحد.
وعلى الرغم من الوثبة العلمية الجبارة التي تعيشها البشرية، والثورة التقنية الهائلة التي نشهدها جميعا المتمثلة في الأقمار الصناعية، وأقمار التجسس والمحطات الفضائية والمحمول وشبكة الانترنت كل هذا ساعد في التواصل بين الأجناس كافة والتحاور مع من تشاء.
وأصبح الإنسان قادرا على ان يرى ويسمع ويقرأ كل ما يجري في العالم، علاوة على الاستنساخ والهندسة الوراثية والحاسوب والوصول إلى المريخ واخذ عينات منه حتى أصبح العالم قرية كونية واحدة، أقول على الرغم من كل هذا، مازال العقل الإنساني قابلا للخرافات والأوهام مؤمنا بالأساطير مهما كان مصدرها.
وهنا يبرز دور علماء الدين المستنيرين، وصفوة المفكرين، وجمهرة المثقفين، لتحرير العقلية المسلمة مما ران عليها من ميراث الماضي وعادات الآباء وأفكارهم، فلا يجب أن يظل سلطان الماضي مسيطرا علينا، نحن نحتاج إلى مجهود عظيم في تنقية التراث الإسلامي مما شابه من أوهام، وإزالة ركام الأباطيل التي لحقت به، واستخدام نصل «أوكام» في غربلة هذه الحكايات وتفنيدها ومحاربتها.
والإعلاء من شأن العقل، كما فعل الجاحظ في الحيوان، ومحمد عبده في رسالة التوحيد، وزكي نجيب محمود في «المعقول واللامعقول» نريد مزيدا من الجهد والعمل في إعادة صياغة العقل وتشكيله على أسس علمية، وتوضيح دوره في بناء الحضارة العربية الإسلامية ويبدو أن الشوط مازال طويلا أمام أصحاب التنوير في تحرير العقلية المسلمة مما لحق بها عبر العصور من أوهام وأساطير.