يقول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين» (البقرة: 264).
هذا المثل يأتي عقب نداء من الحق تبارك وتعالى لعباده المؤمنين، أن يتجردوا من عوامل الإحباط للثواب، وأن يكون عملهم خالصاً لوجه الله، فالصدقة التي خرجت من نفوسهم طواعية دون إجبار أو إكراه، ينبغي ألا تذهب أدراج الرياح، والإنفاق الذي أنفقوه برضا وارتياح، ودلل على نفسية رجل مسماح، لا يليق، أن يتبدد في الغدو والرواح.
لقد نصحهم القرآن بالبعد عن أمرين المن والأذى لأنهما يبطلان ثواب الصدقة، ثم لا فائدة في الدنيا ولا في الآخرة، لقد ذهب ماله وحبط عمله، وهو في الآخرة من الخاسرين، وحتى تتضح عاقبة الصدقة التي أتبعت بالمن والأذيى، يصوره في قالب حسي مشاهد لأنه لم يقصد بعمله وجه الله، وإنما كان عمله رئاء الناس إضافة إلى أنه لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر.
فكانت هيئته وصورته كمثل حجر عليه تراب فنزل عليه المطر فأزال التراب وتركه صلداً، ليس على استعداد لإنبات نبات أو استخراج زرع فقد تجرد من الفوائد والمنافع، كذلك المنفق رئاء الناس أو الذي يتبع صدقته بالمن والأذى لا يناله من عمله الذي هو ظاهر الصلاح شيء. فقد صور الشيء المعقول بالشيء الحسي تقريباً للأذهان وجلاء للمعاني.
وهذا المعنى الجميل الذي تضمنه المثل في تصوير أخاذ ودقة بالغة يحدثنا عنه د. محمد رجب البيومي - الأستاذ بجامعة الأزهر- فيقول: بعد أن وضح أن الإنفاق لابد أن يكون لله وحده حتى ينال الثواب الذي تحدث عنه المثل الأول، ثم من الذي يستحوذ على هذه المضاعفات الجزيلة حين يجود بالإنفاق؟
لقد علم الله من أمراض النفوس البشرية ما يدفعها إلى زلتين خطيرتين إذ تتعالى بصدقتها على الفقراء مباهاة وغطرسة فتندفع إلى المن المستعلي تارة وإلي التفاخر بالعطاء كسباً للإعجاب الأرضي وجلباً للتقدير البشري تارة أخري، مع أنها ما سمحت بالخير إلا بعد أن رأت وعود السماء بمضاعفة الأجر وإجزال المثوبة.
وكأنها لا تقنع بثواب الآخرة وحده حين تشرك بالله من تحرص على مراءاته فتنفق المال طمعاً في نباهة الذكر بين الناس أو تمن به إرضاء لنزعة استعلاء مقيت. أجل لقد علم الله أمراض النفوس، فحذر منها في تصوير أخاذ إذ قال: زيا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى».
ويضيف: كيف يكون شعور هذا الواعي حين يبذل الحسنة الواحدة منتظراً أن تكون لدي الله سبعمائة كما وعد، ثم تكون عاقبته كالعاقبة المتوقعة لحجر من الأحجار عليه تراب قليل جاءه وابل فتركه صلداً لا يقدر على نماء، واختيار الصفوان في هذا الموقف مما يناسب الجو التصويري فكم بين البخيل الذي لا يجود ابتغاء مرضاة ربه طلباً للزلفي الدنيوية وبين الحجر الصلد من مشابه في إمساك الخير، وفقد الحس وموت الشعور. إنك حين تريد أن تهجوه أعنف الهجاء لن تجد أبلغ من أن ترميه بقولك صفوان عليه تراب.
وهذا المعني الذهني الذي صوره القرآن في صورة مشاهدة حسية كأنه في عالم الطبيعة مرئي، يدل على طريقة القرآن الواضحة في تصويرها للمعاني الذهنية لأنها الطريقة المفضلة والأسلوب الغالب في تعبيره، وهذا المثل نموذج واضح لا يحتاج إلى دليل.
والإمام القرطبي يقول في قوله تعالى: «كالذي ينفق ماله رئاء الناس» الكاف موضع نصب، أي إبطال «كالذي» فهي نعت للمصدر المحذوف. ويجوز أن يكون موضع الحال.