هذه الفظاظة والغلظة التي تفشت بيننا في زماننا هذا ليست من أخلاق الإسلام وسلوكياته في شيء، ولا الغش والخداع والخيانة والغل والحسد والحقد، والسلسلة من المساوئ التي أصبحت تشكل ظاهرة خطيرة جعلت مجتمعاتنا تتحول إلى وضع بعيد كل البعد عن أجواء الإسلام النقية الطاهرة المبرأة من هذا التلوث الخلقي ـ إن صح التعبير.

وهذه التلوثات في البيئة الإسلامية سببها انفصالنا نحن المسلمين عن تعاليم ديننا السمح القويم. إن كتابنا الكريم وسنة نبينا الذي أدى الأمانة وبلغ الرسالة لم يترك لنا شيئاً من أسباب الإرشاد والتوجيه، ولو أننا تمسكنا بهما ما كان هذا الضلال الذي نعيشه في حياتنا المعاصرة طولاً وعرضاً. دعونا نستعرض جانباً من هذه التوجيهات:

قال تعالى: «لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيما» لقد كثرت الثرثرات والحديث فيما لا يفيد، بل في كثير من الأحيان أحاديثنا التي تدور بيننا تضر ولا تنفع فهي إما إشاعات مغرضة أو بهتان في من هم أبرياء مما نبهتهم فيه وإما غيبة ونميمة.

وهذه الأخيرة ـ أعني الغيبة والنميمة تحولت من كثر تفشيها إلى وباء اجتماعي لا يكاد يسلم منه أحد إلا من رحم ربي وقليل من هم. حتى في أماكن العبادات، كالمساجد وأداء مناسك الحج تجد المغتابين والنمامين يكتنفونك من كل اتجاه فتنزلق في أوحالهم.

إن الأمر بالصدقات والأمر بالمعروف والإصلاح بين الناس لوجه الله الكريم أصبح عملة نادرة، بل إن الأمر قد يكون في أحايين كثيرة على غير هذا الوجه، فهناك من يثبطون المتصدقين عن صدقاتهم بما ينفثون فيهم من سموم الأحاديث المثبطة وما أكثرها، أما الأمر بالمعروف فأصبح مهجوراً تماماً والإصلاح بين الناس تحول تحريضا على الفرقة والخصومة وتأجيج نيرانها.

وإذا جئنا لعدم القصد في المشي وعدم الغض من الأصوات، فحدث ولا حرج فهذا أمر صار عادة تقابلك في كل اتجاه، حدثني أحدهم أنه بينما كان جلوساً في أحد المساجد يتلو في كتاب الله وكان بالمسجد آخرون يتلون كتاب الله بعد الصلاة، فإذا بصوت صاخب يشوش عليهم ويمزق الهدوء والسكينة المهيمنة على جو بيت الله.

وعندما تمادى ذلك الصوت الصاخب حاول الرجل أن يوجه ذلك الصخاب إلى الهدوء فإذا بالرد يجيئه منه بصورة لم يكن يتوقعها. قال صاحب الصوت العالي لمن انتقده: أنا حر في مسجدي، ان هذا المسجد بنيته بحر مالي وهؤلاء الذين أوجههم فيه موظفون عندي ولا دخل بك أنت في ذلك!! والمفروض أن نضع ألف علامة تعجب في هذا الذي نقل لنا.

الرجل بدلاً من أن يعتذر من فعلته يصر على الإثم.. أخذته العزة بالإثم فإذا به يقع فيما هو أعظم من علو صوته في المسجد، ذلك أنه يدعي بأن المسجد مسجده، لماذا؟ لأنه بناه من حر ماله، ويا للمسكين!!

لقد أضاع أجره يغفر الله لنا وله، لأن المساجد لله، فمن لحظة أن فرغ من بناء المسجد وامه المصلون صار المسجد لله، فلا يمتن على الله ببنائه للمسجد، ولكن ماذا نقول للذين يفعلون ما يفعلون رئاء الناس.

ونقرأ مع بعضنا قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين» الحجرات: 6 ونتساءل: كم من الأنباء المغرضة ترد إلى بعضنا من ذوي الأغراض بنوايا سيئة أو نوايا حسنة.

ويتخذون فيها الإجراء دون أن يتبينوا صحتها فيصاب قوم بالأضرار منها، وهذا ليس من الإسلام في شيء، في واقعنا المعاصر كثيرة هي الحالات من هذا القبيل ومن أشخاص على مستوى عالٍ من المسؤولية، بل وأحياناً ممن يدعون الالتزام التام بتوجهات دينهم.

إن سورة «الحجرات» التي أوردنا منها الآية 6 في شأن التبين من الأنباء قبل إصدار الحكم من جرائها فيها الكثير من الآداب الإسلامية التي ينبغي على المسلم اتباعها، حتى أن بعض علمائنا الأجلاء أطلقوا عليها اسم «سورة الآداب» وهذه السورة وغيرها من الآيات الكريمة في سور أخرى تقودنا إلى التي هي أقوم «إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم» ولكننا لا نتدبر ومن يتدبر يقول ما لا يفعل.

ومن أخلاق المسلم: خلق القناعة، وعندما نقول القناعة فليس معنى ذلك الدعوة إلى الاستعانة وأن نرضى بما هو دون الطموحات المشروعة.. كلا، ليس لهذا القصد من القناعة وإنما البعد عن الأطماع التي تجر إلى المحرم كأن يسعى أحدنا لأن يكون غنياً تجري الأموال بين يديه بالاتجار في المخدرات مثلاً أو الإعانة فيها بما يسمى في أيامنا هذه «بغسيل الأموال» .

وما إلى ذلك من المحرمات «ليس الغنى من كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس» هذا من أقوال صاحب جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم.

ومن أدوائنا التي صارت وباء تفشي «الكذب» حتى أصبحت الأمور تختلط علينا فلا يؤخذ بقول الذين يصدقون لأن الصدق صار عملة نادرة، والأشد سوءاً من الكذب هذا الحلف الكاذب، يقسم لك البائع أن هذه السلعة عليه بكذا وأنه لم يربح منك إلا القليل وتكتشف أن الأمر على غير ما ذكر، أو يقول لك آخر ان هذه البضاعة أو هذا الصنف أصلي وتكتشف أنه مقلد وقد تفشى في أسواق ديار المسلمين ـ للأسف ـ ما يسمى «بالغش التجاري» .

وأن من حق المسلم على المسلم أن لا يغشه ولا يخدعه ومن حق المسلم على المسلم أن لا يتكبر أو يتعالى عليه ومن حق المسلم على المسلم أن لا يبهته ولا يغتابه أو أن يمشي بينه وبين الآخرين بالنميمة التي تدمر العلاقات وأن يكرم ضيفه ويكرم جاره وأن يقول خيراً أو ليصمت فالصمت خير من الكلام الذي يؤذي صاحبه ويضر بالآخرين وأن يعود أخيه المسلم في مرضه ويواسيه بالكلم الطيب ولرسول الله صلى الله عليه وسلم حديث يبين لنا هذه الحقوق قال:

«حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك (أي طلب منك النصيحة في أمر ما) فانصحه وإذا عطس فحمد الله فشمته (وهذه شرحناها في موضع سابق) وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه (أي فاتبع جنازته.. شيعه إلى مثواه الأخير).

هذا هو الإنسان المسلم مع نفسه ومع غيره من إخوانه في الدين ومع الذين يخالفونه العقيدة تسامح وتعايش على الخير والمحبة إلا على من اعتدى عليه من الآخرين في عقيدته وليس على من اعتدى عليه من إخوانه في الإسلام، لين الجانب وطيب المعشر أسوة برسولنا «ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك».